وجاء تتويج إسبانيا بعدما تغلبت على الأرجنتين بهدف دون رد بعد شوطين إضافيين، في مباراة جسدت الفارق الكبير بين فلسفة الفريقين داخل الملعب.
سجل فيران توريس هدف المباراة الوحيد في الدقيقة 113، ليصبح ثاني لاعب بديل في التاريخ يسجل هدف الفوز في نهائي كأس العالم، بعد الألماني ماريو جوتزه أمام الأرجنتين في نهائي 2014 وفقًا لشبكة "أوبتا" للإحصائيات.
كما أصبح توريس، إلى جانب أندريس إنييستا، اللاعبان الوحيدان اللذان سجلا هدفًا لإسبانيا في نهائي كأس العالم، والمفارقة أن الهدفين جاءا في الوقت الإضافي، وكانا سببًا مباشرًا في تتويج “لا روخا” باللقب.
وللمرة الثانية بعد مونديال 2010، اعتلت إسبانيا عرش كرة القدم العالمية، لكن أوجه التشابه بين النهائيين لم تتوقف عند النتيجة فقط.
ففي نهائي جنوب إفريقيا 2010، كانت إسبانيا الطرف الوحيد الذي حاول لعب كرة القدم أمام هولندا، وفي نهائي 2026 تكرر المشهد، لكن هذه المرة كانت الأرجنتين هي الطرف الذي اكتفى بإفساد إيقاع المباراة والدفاع طوال اللقاء.
ورغم أن المنتخب الإسباني لم يصنع عددًا كبيرًا من الفرص المحققة، فإنه فرض سيطرة شبه مطلقة على مجريات اللعب، حتى نجح نيكو ويليامز في تهيئة الكرة إلى فيران توريس، الذي أطلق تسديدة حسمت اللقب.
وعلى الجانب الآخر، لم يسدد منتخب الأرجنتين أي كرة طوال الوقت الأصلي، وانتظر حتى الدقيقة 116، أي الدقيقة 26 من الشوط الإضافي الثاني، ليسدد أول كرة في المباراة عبر ليونيل ميسي.
وقبل تلك المحاولة، كانت إسبانيا قد سددت 20 كرة، بينها 12 تسديدة على المرمى، في مشهد عكس الفارق الهائل في الطموح والهجوم بين المنتخبين.
كما أكملت إسبانيا 235 تمريرة في الثلث الهجومي من الملعب، مقابل 47 تمريرة فقط للأرجنتين، مع نسبة سيطرة ميدانية بلغت 83.3%، وهو رقم يجسد الهيمنة الإسبانية على مناطق اللعب طوال اللقاء.
وأنهت إسبانيا المباراة بـ20 تسديدة مقابل محاولتين فقط للأرجنتين، بفارق بلغ 18 تسديدة، وهو ثاني أكبر فارق في عدد التسديدات بتاريخ نهائيات كأس العالم، بعد نهائي 1990 الذي سددت فيه ألمانيا الغربية 23 كرة مقابل محاولة واحدة فقط للأرجنتين.
ولم تتوقف معاناة الأرجنتين عند الأداء الهجومي الضعيف، إذ شهدت الدقائق الأخيرة حالة من التوتر الشديد، بعدما اندلعت مشادة بين اللاعبين عقب صافرة النهاية، إثر اعتراضات وغضب من لاعبي التانجو.
كما ارتكبت الأرجنتين 25 مخالفة خلال اللقاء، وهو أكبر عدد من الأخطاء يرتكبه أي منتخب في مباراة بكأس العالم منذ نهائي 2022، عندما ارتكب المنتخب الأرجنتيني نفسه 26 مخالفة أمام فرنسا.
وشهد اللقاء أيضًا طرد إنزو فرنانديز بعد حصوله على البطاقة الصفراء الثانية إثر تدخل قوي على باو كوبارسي، ليصبح سادس لاعب يُطرد في تاريخ نهائيات كأس العالم، فيما باتت الأرجنتين مسؤولة عن نصف حالات الطرد في المباريات النهائية، بعد بيدرو مونزون وجوستافو ديزوتي في نهائي 1990.
لكن بعيدًا عن أحداث النهاية، فإن البطولة بأكملها كانت شاهدًا على التفوق الإسباني.
فإسبانيا لم تتأخر في النتيجة خلال أي مباراة طوال البطولة، واستقبلت هدفًا واحدًا فقط في ثماني مباريات، سجله البلجيكي شارل دي كيتيلاري، لتسجل أفضل سجل دفاعي لمنتخب بطل في تاريخ كأس العالم.
كما سمح المنتخب الإسباني لمنافسيه بتسجيل 2.3 هدف متوقع (xG) فقط طوال البطولة، بمعدل 0.3 هدف متوقع في المباراة الواحدة، وهو أفضل معدل دفاعي يسجل لمنتخب في تاريخ كأس العالم.
ومن المفارقات اللافتة أن الحارس الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز تصدى في النهائي وحده لـ11 كرة، وهو عدد يفوق إجمالي تصديات الحارس الإسباني أوناي سيمون طوال البطولة بأكملها، والتي بلغت 10 تصديات فقط، في دليل واضح على حجم السيطرة الإسبانية دفاعًا واستحواذًا.
وبهذا التتويج، أصبحت إسبانيا رابع منتخب في تاريخ كرة القدم يحتفظ في الوقت نفسه بلقبي كأس أمم أوروبا وكأس العالم، بعد ألمانيا الغربية وفرنسا، والجيل الإسباني الذهبي الذي جمع بين يورو 2008 وكأس العالم 2010 ويورو 2012.
كما رفعت “لا روخا” سلسلة مبارياتها دون هزيمة إلى 38 مباراة، وهي أطول سلسلة لا هزيمة لمنتخب أوروبي في تاريخ كرة القدم الدولية.
ورغم أن النهائي لم يكن زاخرًا بالجماليات الهجومية، فإنه قدم درسًا واضحًا في أن الاستحواذ، والتنظيم، والسيطرة على مجريات اللعب، لا تزال الطريق الأقصر إلى منصات التتويج، وهو ما جسدته إسبانيا بامتياز في طريقها نحو النجمة الثانية في تاريخها.








