المباريات

جميع المباريات

هدية سماوية.. ماذا ينتظرنا في النهائي الأمتع بين الأرجنتين وإسبانيا؟

الأرجنتين وإسبانيا

الأرجنتين وإسبانيا

ربما كان جياني إنفانتينو مراوغًا في تصريحاته وقراراته التي اختلفنا حولها كثيرًا، لكن وصفه لنهائي كأس العالم 2026 كان الأكثر صدقًا ودقة أكثر من أي مرة: ميسي ويامال في نهائي واحد، إنها هدية السماء.

موضوعات متعلقة

أفضل لاعب في آخر عقدين من الزمان "ميسي" يقود المنتخب الذي فاز بآخر مونديال في 2022، وفي الجهة المقابلة اللاعب الذي رأته الأغلبية وريثًا شرعيًا وأفضل لاعب في العقد المقبل "لامين يامال" في قيادة بطل أوروبا، سيناريو هوليوودي ملحمي، احتاج إلى ترتيب وهدية الأقدار كما وصف رئيس فيفا، الأرجنتين ضد إسبانيا، هنا قمة يتنازع فيها نخبة لاعبي كرة القدم حول من الأكثر إمتاعًا، إبهارًا، قوة، جمالًا، ذكاءً.

الإبداع قبل الحسابات

مع كل نهائي في بطولة حول العالم، تعلو فكرة الحسابات فوق جرعة الإبداع والإمتاع الكروي، وتغلب لغة التحفظ الخططي على الفكر الهجومي، وتزداد عملية الحرص أمام المبادرة والتقدم، هذا نهج، وما خلافه استثناء في سنوات كرة القدم الأخيرة.

لكن مع إسبانيا والأرجنتين، وحتى مع لغة التحفظ الخططي، فإننا مقبلون على وجبة وجرعة إمتاع كروية، لأسباب كثيرة.

على رأس تلك الأسباب، تمتع الفريقين بنوعية لاعبين مهرة، الجميع يحب امتلاك الكرة، ويملك مقومات الاحتفاظ بها وتدويرها تحت الضغط.

الذكاء سمة غالبة هنا وهناك، والموهبة طاغية على فكرة الصناعة لدى غالبية لاعبي الفريقين، فالأساس هنا مبني على المهارة والفطرة المحبة لكرة القدم لدى الجميع.

ثانيًا، يمكنك استنتاج ذلك من فلسفة كل فريق، ومما قاله كلا المدربين قبل المباراة.

ليونيل سكالوني قال بأنه تحدث مع اللاعبين حول أهمية الاستمتاع بالكرة، وضرورة التعامل مع المباراة باعتبارها مباراة عادية وليست نهائي كأس عالم.

يؤمن المدرب الأرجنتيني بأن التحليل الزائد والتركيز المبالغ فيه، كلاهما طريق الهلاك، فلا يخلفان غير التوتر والأخطاء، لذلك حرص على إبلاغ لاعبيه: استمتعوا بنهائي عظيم.

سكالوني قال أيضًا إن التشابه الوحيد بين منتخب الأرجنتين وإسبانيا هو ميل كلاهما للاستحواذ ولعب الكرة لا مطاردتها، وهنا سنكون أمام فريقين متمسكين بالمبادرة والفعل لا رد الفعل.

في مقابل سكالوني، يُبدي لويس دي لا فوينتي تمسكًا أكبر بأنه الفريق الأمتع والأقدر على المبادرة، حين قال ملمحًا: لا نريد أن ننجر إلى عراك بدني، سنحاول جر المباراة لطريقتنا التي تقوم على لعب كرة قدم ممتعة.

كذلك حارس مرمى إسبانيا أوناي سيمون، في محاولة لإبراز جودة منتخب بلاده، حاول التركيز فقط على الجانب البدني للأرجنتين، مشبهًا إياها بأوروجواي، لكنه اعترف بأن المنتخبات القوية بدنيًا هي أصعب تحدٍّ يمكن مواجهته لإسبانيا.

من يملك المبادرة؟

في كل مباريات المنتخبين خلال مشوار البطولة، نجحا في أن يكونا الأكثر استحواذًا على الكرة، لكن من ستكون له الملكية والمبادرة الليلة؟

أي متتبع للمنتخبين على مدار الأعوام الأخيرة سيخطر بباله سريعًا أن إسبانيا هي المرشحة دائمًا للاستحواذ أمام أي فريق، حتى لو كان ذلك الأرجنتين.

إذا نظرنا إلى دي لا فوينتي، فإنه يصر على أن يستحوذ ويمارس الضغط العالي من مناطق متقدمة، في حين نجد مرونة أكبر عند ليونيل سكالوني، الذي قد يؤجل الضغط العالي ولا يبدأ به كعادته.

ستسعى إسبانيا من الدقيقة الأولى لتكرار ما فعلته أمام فرنسا، بضغط متقدم من 6 لاعبين، بداية من أويرزابال ولامين يامال، وبينا، وخلفهما أولمو ورودري وفابيان رويز.

الخطر المرتقب على الماتادور

صحيح، ربما لا تتمسك الأرجنتين بالاستحواذ في بداية المباراة، لكن عملية الضغط المبالغ فيها من الإسبان هي أكثر ما يحب سكالوني ولاعبوه، خاصة أن دفاعه يجيد التدوير، وأن حارسه إيمليانو مارتينيز بارع في إرسال الكرات الطولية.

استخدام 6 لاعبين في الجزء الأول من الملعب، ثم تقدم الأظهرة الإسبانية، سيجعل المساحات واسعة للغاية، ومع تمريرات طولية من مارتينيز، أو عبر خروج باريديس وإنزو بالكرة، سيشكل ذلك خطرًا داهمًا على المرمى الإسباني.

لكن أخطر ما في عملية الضغط الانتحارية التي يقوم بها الإسبان أمام فريق بحجم الأرجنتين هو ما يفعله ميسي في هذه الحالة.

ميسي حينما يجد فريقه تحت ضغط شرس، يعود إلى ما قبل خط المنتصف ويطلب الكرة ويخرج بها من بين لاعبين وثلاثة، ومع كسره لعملية الضغط، سواء بتمريرة ساحرة أو مراوغة، ستجد مهاجمي الأرجنتين في موقف أفضل وأمام فرصة تهديف مؤكدة، هذه اللعبة عاقب بها ميسي فرنسا في نهائي مونديال 2022، وكررها أمام إنجلترا ثلاث مرات، لكنها لم تنتهِ بهدف رغم الخطورة التي صنعها.

دائمًا ما احتاجت الأرجنتين لتقدم ماك أليستر وإنزو فيرنانديز، لكن هذا الأمر كان يحدث حينما قابلت فرقًا متكتلة، أما الآن فالأرجنتين ستكون بحاجة أكثر لكسر الضغط، وتقدم أحد أطراف الملعب.

دي بول.. عودة محتملة

تقارير أرجنتينية أفادت بأن سكالوني لن يلعب بنفس التشكيل الذي خاض به مباراته ضد إنجلترا، وهذا يعني أن دي بول بنسبة كبيرة سيعود إلى التشكيل الأساسي.

سعى سكالوني عبر استخدامه جوليانو سيميوني مكان دي بول إلى استخدامه في معركة بدنية قوية، لخدمة مخطط الصراع البدني الذي توقعه في الشوط الأول.

ثم في الشوط الثاني دخل دي بول وأحدث التحول، خاصة في الجانب الهجومي عبر تمريراته الذكية وعرضياته التي كانت محكمة، وكاد يسجل منها ماك أليستر.

أما مواجهة إسبانيا فتتطلب لاعبًا أذكى أكثر منه أسرع أو أقوى، ولاعبًا قويًا في الاستخلاص، وهذا ما ينطبق على دي بول.

بنسبة كبيرة سيعود سكالوني إلى التشكيلة الاعتيادية: دي بول يمينًا، وماك أليستر يسارًا، وإنزو فيرنانديز خلف ميسي وألفاريز، وباريديس محور ارتكاز.

سيراهن على ميسي وفيرنانديز في كسر الضغط، وعلى تحركات ألفاريز خلف الأظهرة المتقدمة لطلب الكرة في المساحات، وسيكون مردود أحد أهم العوامل المؤثرة في شكل الأرجنتين، خاصة إذا استغل بطء إيمريك لابورت وتفوق عليه في الثنائيات.

يامال.. جبهة التفوق

في إسبانيا تبرز أهم نقاط القوة بعد الاستحواذ والقدرة على التحكم بالرتم، في وجود يامال بالجهة اليمنى، وهنا تحديدًا يتقدم تاجليافيكو ظهير أيسر الأرجنتين وتبرز مساحات خلفه.

أمام فرنسا كان طلب يامال للكرة في المساحات وخلف الخطوط بين أخطر العوامل التي منحت إسبانيا النصر، وكذلك سيكون الأمر الليلة.

كما أن يامال سيكون في مواجهة مع ليساندرو مارتينيز، ورغم ذكائه ووعيه في التوقع والقراءة الجيدة، لكنه يعاني من البطء وقصر الرجل أيضًا، ما يمنح يامال تفوقًا في الثنائيات.

كذلك تتمتع إسبانيا بالقدرة على اختراق العمق عبر أولمو وفابيان رويز، فكلاهما يتقدم لطلب الكرة بين قلبي دفاع الخصم، وتبقى ثنائية ليساندرو مارتينيز وكريستيان روميرو إحدى أهم الثغرات في التشكيل الأرجنتيني، ويمكن مباغتتها وتجاوزها بتحركات ذكية من رويز الذي يجيد التحرك في توقيتات مثالية، مع استقبال تمريرات رائعة.

العامل البدني.. من يفوز بالنفس الأخير؟

سيكون العامل البدني في مباراة الليلة، كما كان في كل مباريات الأرجنتين الماضية، مهمًا وفاصلًا، خاصة في الجزء الأخير من المباراة.

يجيد سكالوني أكثر من أي مدرب آخر، توجيه اللعب واستغلال بنك الاحتياط وقلب الموازين بخمسة تغييرات، دائمًا ما منحت الفريق التفوق البدني.

لذلك فإن دي لا فوينتي سيكون أمام تحدٍّ في الجزء الأخير من المباراة لخلق توازن بدني أمام منافس عرف كيف يتفوق على الجميع بتوزيع دقائق اللعب واستبدال نصف الفريق في آخر نصف ساعة من المباراة.

وكما أن دي لا فوينتي سيكون أمام تحدٍّ آخر، وهو كيفية إيقاف ميسي في آخر 20 دقيقة تحديدًا، إذا كان فريقه مطالبًا بالتسجيل وخرج وتقدم للأمام بعدد كبير، فلم ينجح أي فريق حتى الآن بإيجاد حل أمام الطريقة التي يختتم بها ميسي المباريات.

يقول دي لا فوينتي عن ذلك:

"حينما كنت أدرب إشبيلية، أوقفته 70 دقيقة، ثم استبدلت اللاعب الذي يراقبه فسجلوا أربعة أهداف".

إذا كان مدرب إسبانيا يظن بأن ميسي يوقفه رجل واحد، أو رقابة لصيقة من أحد اللاعبين، فإنه واهم، لم يفعل ذلك أشرس مدافعي العالم في آخر 20 عامًا، وإذا ظن بأن مارك كوكوريلا يمكنه البقاء صامدًا لمدة 90 دقيقة وأكثر فهو مخطئ، لأن ميسي يؤمن تمامًا بأنك ستفقد الجهد والتركيز في لحظات ما، يجيد انتقاءها ويتحرك بالمكان السليم ثم يعاقبك.

لذلك فإن أي رهان غير الرهان على انضباط المنظومة كاملة، لن يكون مجديًا أمام ميسي.

حكمة كلوب.. ومزاج ميسي

بعيدًا عن الحسابات التكتيكية، وأدوار اللاعبين، وخطط المدربين، هناك لحظات تحسمها عظمة اللاعبين قبل أي شيء آخر. وكما قال يورجن كلوب مدافعًا عن توماس توخيل بعد مباراة إنجلترا والأرجنتين الأخيرة:

"هناك مباريات يحسمها العظماء، ولا يتحمل المدرب وحده مسؤوليتها."

فالتكتيك مهم، والتفاصيل تصنع الفارق، لكن هناك لحظات تتجاوز حدود الخطط، حين يظهر لاعب قادر على تغيير مسار المباراة بلمسة، أو قرار، أو لحظة عبقرية لا يمكن لأي رسم تكتيكي أن يصنعها وحده.

وهنا نحن أمام لحظة فارقة، وربما الأخيرة، في رحلة ميسي. لاعب يشارك للمرة الأولى بلا تلك الضغوط الثقيلة التي لازمته طوال مسيرته، وبحالة ذهنية ومزاجية مختلفة تمامًا، يمكن ملاحظتها في تصريحه الأخير:

"لقد أغلقت كل شيء في كرة القدم عام 2022، ولست مطالبًا بشيء الآن."

رغم قتاله، وروحه التنافسية، ورغبته الدائمة في التتويج، يدرك ميسي أنه لم يعد مطالبًا بإثبات أي شيء. لقد حقق الحلم الأكبر، وأصبح خروجه من أي بطولة محاطًا بالتقدير والامتنان.

لكن هنا يكمن الخطر الأكبر على المنافسين؛ فحين يحصل المبدع على الحرية والمساحة، ويتحرر من عبء إثبات الذات، يصبح أكثر قدرة على الإبهار، وأكثر استعدادًا لتقديم شيء جديد وغير متوقع.

وهذا ما قد يفعله ميسي مرة أخرى الليلة. ففي بعض اللحظات، لا يلعب العظماء تحت ضغط التاريخ... بل يلعبون فقط من أجل المتعة، وعندما يفعلون ذلك يكونون أكثر خطورة.

مشاركة

عاجل
هدية سماوية.. ماذا ينتظرنا في النهائي الأمتع بين الأرجنتين وإسبانيا؟ | الميدان