في هذه الأجواء نشأ سمارفيل، تشكل وعيه، وبنى أفكاره، ورسم ملامح شخصيته، لدرجة أنه حينما اشتبك مع أحد لاعبي فينورد في مراحل الناشئين، غلبت لغته التي اكتسبها بالتبعية من الأجواء حوله، فضربه، قبل أن يستعين بشقيقه ليكمل جريمته.
واقعة مبكرة كشفت عن عقلية اللاعب الذي وصفته كبرى المواقع الإنجليزية والهولندية بفتى الشارع، لكنها لعبت دورًا محوريًا فيما بعد في تغيير حياته كليًا، وتحويل مجراها إلى بداية طريق النجومية والعالمية.
عند الرابعة من عمره، وداخل حواري روتردام، برزت موهبة طفل قال عنه الجميع: هذا الولد سيكون أسطورة كروية.
آمنت عائلته به، ورأت فيه نجمًا قادمًا، فالتحق مبكرًا بأكاديمية فينورد الهولندي عند السادسة من عمره لتبدأ قصته.
مؤسسة روتردام.. بداية تكوين العقلية
انتقل إيمان العائلة إلى إيمان المؤسسة في فينورد، فداخل هذا الكيان يعرف المدربون جيدًا أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن التحدي الأكبر لهم هو كيفية تحويل تلك العقلية التي شكلها الشارع والحارة إلى نموذج احترافي يحترم القواعد، وتحدد المعايير كل خطواته.
لذلك، حينما ارتكب سمارفيل خطأه الأول وتعدى على زميله، عوقب بالإيقاف عام 2018 إلى نهاية الموسم، وليس ذلك فحسب، بل تم تحويله إلى مهمة اجتماعية كنوع من العقاب، مع خضوعه لجلسات تقويم نفسي.
على الرغم من شخصيته العنيدة، وعنفه، وسيطرة أخلاقيات الشارع على سلوكياته، كان سمرفيل يقابل كل النصائح والانتقادات من مدربيه بابتسامة طفل بريء، وكأن لسان حاله: أعرف جيدًا ما تقولونه.. لكني أحب هذا الفتى المشاغب الذي بداخلي.
بيلسا.. تحول كبير في عقلية سمرفيل
كعادة الأفارقة والبرازيليين، عقلية منقوصة لكن موهبة طاغية، إذا أثقلتها فزت بكنز ثمين، هذا بالضبط ما فعلته مدرسة فينورد، واحدة من أهم مصانع نجوم كرة القدم في العالم، وبعد أن أثقلته بما يكفي لسلك طريق الاحتراف، وجد نفسه في محطة ليدز يونايتد.
في مجتمع غريب عنه تمامًا، وبلد يسوده النظام فوق كل الاعتبارات، وجد نفسه داخل فندق كل شيء فيه أدق من الساعة السويسرية وألمع من لوحات دافنشي، والحياة بداخله مملة لولد اعتاد الضجيج، والونس، والصحبة، والقفز بين الشوارع والجدران.
كان الأمر قاتلًا بالنسبة له، مرت 6 شهور هي الأصعب في مسيرته كما يصفها، ولولا وكيله لما استمرت الرحلة وما بقي.
يحكي نجم الهلال الجديد عن هذه المرحلة فيقول: "لقد طلبت العودة، لا شيء في هذا البلد يناسب شخصيتي، كنت وحيدًا، ولا أعرف كيف أحيا بلا عائلة ولا أصدقاء".
دعمت العائلة، كما وكيله، بقاءه هناك، وتحت قيادة واحد من أعقد المدربين وأكثرهم نظامًا، وجد سمرفيل نفسه مرغمًا على تحويل شخصيته تمامًا مع مارسيلو بيلسا، المدير الفني لنادي ليدز يونايتد آنذاك.
أثقل بيلسا سمارفيل خططيًا، وحوله تمامًا من رجل مرتجل فردي يقوم بكل شيء معتمدًا على القدرات الفردية، إلى عضو في منظومة تتحرك معًا، وكل خطوة يقوم بها محسوبة تمامًا.
كيف تتحرك، ومتى تكون على الخط، ومتى تدخل العمق، وأين تتواجد وقت الحيازة، وكيف تدافع، كل نفس يتنفسه داخل الملعب كان متفقًا عليه مسبقًا، هكذا هو بيلسا، وهكذا وجد سمرفيل نفسه يتحول.
بعد هذه التجربة أصبح أمام شخص آخر تمامًا، لاعب محترف يعرف ما عليه، ويقوم بأدواره خارج الملعب قبل قيامه بها داخله، مستذكرًا كل النصائح والوصايا التي قابلته في مدرسة فينورد صغيرًا.
ومع تحوله إلى ويست هام، تألق بشدة وبدأت قدراته التهديفية تزداد، فأصبح واحدًا من أفضل لاعبي مركز الجناح في الدوري الإنجليزي، ليؤمن المدير الفني لمنتخب هولندا بأهمية ضمه الآن، وفي كأس العالم قال كلمته: أنا مشروع نجم جديد سيقود هولندا إلى المجد. سجل هدفين وصنع آخرين، ولولا الأقدار التي أطاحت بالهولنديين من البطولة لاستمر في كتابة التاريخ.
ماذا يحمل سمارفيل للهلال؟
تقول رحلة سمرفيل إننا أمام مزيج من خصائص عديدة يتمناها أي فريق في لاعب.
الموهبة الفطرية، ومهارات الشارع التي لا تكسبها الأكاديميات لنجومها، والحلول الفردية البارعة.
الشخصية العنيدة، والمثابرة، وصاحبة العزيمة الشديدة، والقادرة على مواجهة التحديات الصعبة.
العقلية الاحترافية التي اكتسبها بفعل العمل داخل مؤسسات الأكاديميات، ثم التنقل عبر أندية محترفة يقودها أشرس وأكثر المدربين علمًا ونظامًا.
في الرابعة والعشرين من عمره، يصل سمرفيل وهو في أوج فتراته، وأعلى مراحله الفنية، فأصبح قادرًا على تقديم تجربة مثالية لجناح عالمي.
الهلال وصل في توقيت مثالي، ليجني ثمار رحلة صناعة نجم كبير ولد في حواري روتردام، ومر بمؤسسات هولندية وإنجليزية عملاقة، قبل أن يقدم أعظم ما لديه.
وجود لاعب بهذه المقدمات، إلى جانب المهارات الاستثنائية التي يملكها، والتنوع الشديد في أسلوب لعبه، سيعطي الهلال كنزًا ثمينًا.
لاعب هداف من طراز فريد، قادر على المشاركة في كل مراحل اللعب، من الخروج بالكرة إلى تطوير الهجوم، حتى إنهاء الهجمات.
هداف وصانع لعب أكثر من رائع، ومقومات بدنية تجعله قادرًا على الركض أكثر من الجميع، والفوز بأغلب الثنائيات.
في مثل هذا العمر، ومع هذه المواصفات، كان طبيعيًا قبل سنوات أن يكون سمرفيل على أبواب يونايتد أو ليفربول، أو مع كبار إيطاليا وإسبانيا، لكن بروز روشن، وعالمية الهلال التي جذبت العالم كله في كأس العالم الأخيرة كما يقول سمرفيل نفسه في تصريحاته الأخيرة، جعلته هنا بيننا، لإعلان بداية قصة جديدة يستهدف فيها اعتلاء كل المنصات محليًا وقاريًا، والعودة مع الزعيم إلى كأس العالم للأندية من أجل الزحف نحو صراع التتويج بين عمالقة العالم.
فهل تكتمل قصة فتى الشارع بفصل جديد من النجاحات؟













































































