قبل المباراة، كان ميسي سعيدًا بمواجهة الإنجليز، فكما يقول، يحب مواجهة الكبار، وإنجلترا تضم عناصر رائعة في كرة القدم، وهو متشوق لأول مواجهة مع هذه المدرسة، وهي حالة تبين كم هو جاهز نفسيًا، وواعيًا بمنافسه وكيف سيواجهه.
في انطلاقة المباراة، وقرب دائرة المنتصف، دخل أول صراع بدني، ورغم أن الكرة كانت أقرب إلى هاري كين، فإنه فاجأنا بالتحام بدني لشاب يافع في أعظم فتراته البدنية، فتجاوز هاري كين ولاعبين آخرين، ثم أسقطه الرابع، هندرسون، ليوقف قطارًا كان أقرب إلى لوحة مارادونا التاريخية.
لم يكن هذا هو الالتحام البدني الوحيد الذي أبرز الحالة الاستثنائية التي يعيشها ميسي، فإجمالًا فاز هذا الرجل، الذي يقف على أعتاب العقد الخامس من العمر، وعلى بعد أمتار قليلة من الأربعين، في نصف نهائي المونديال، وأمام مدرسة بدنية عملاقة مثل إنجلترا، بـ12 صراعًا ثنائيًا، وهو رقم لا يحققه عادة سوى مدافع أو لاعب وسط مدافع من طراز فريد وبنيان جسدي عملاق، لا لاعب قصير القامة، ومهاجم، وعلى أعتاب الأربعين من العمر.
ثم، في الدقائق العشر الأخيرة، وعلى أبواب منطقة جزاء إنجلترا، سقط ميسي أرضًا، لكنه مرر الكرة وهو في وضعية النوم، لتبقى الخطورة قائمة.
حرصنا في بداية الطرح على أن نلقي الضوء على الجانب البدني والالتحامات الثنائية، لنظهر مدى التكامل الذي كان عليه ميسي، فما قدمه الليلة لا يمكن اختصاره في صناعة هدفين فحسب.
لقد كان ميسي، أولًا وقبل كل شيء، ضمانة الثقة التي منحت رفاقه الإيمان الكامل حتى النفس الأخير، وشجرة اليقين التي انطلقت من جذورها أفرع التوهج والنجاح.
رغم التأخر في النتيجة، كان ميسي قريبًا من كل زميل، يطلب الكرة في كل شبر، ويهبط إلى وسط الملعب، فيكسر الضغط الإنجليزي، ويمهد طريق زملائه للتقدم.
ويدخل العمق، فيتحول إلى أفضل ممرر وصانع لعب، ويوجه اللعب كله بطريقته، كما لو كان لاعب شطرنج يتحكم في كل تفصيلة.
ويذهب إلى الجهة اليمنى، ويتسلم الكرة، فتتأكد من اللحظة الأولى أن هناك فرصة قادمة.
ويرسل العرضيات، فتصيب الدفاع الإنجليزي وبيكفورد بالهلع، فلا يمكنك أن تصمد أمامها طويلًا، مهما كنت بارعًا في الكرات الهوائية، ومهما كثفت من وجودك الدفاعي.
حتى الدقيقة الأخيرة، تقدم ميسي، وراوغ لاعبًا واثنين، وبقدمه اليمنى، لعب عرضية مثالية لا يمكن لمهاجم في العالم أن يهدرها.
كما فعلها أمام مصر وكاب فيردي، أثبت أنه لا يجيد فقط أمام المنتخبات الأقل تصنيفًا، بل هو قادر على قهر أقوى وأهم دفاعات العالم.
9 مراوغات من أصل 12 محاولة، في مباراة نصف نهائي، وصناعة هدفين، بعمر الأربعين.. يا له من رقم خيالي. وإذا أضفته إلى كل ما قدمه على مستوى القيادة، والتحكم، وصناعة الفرص، والفاعلية، وبث الرعب في المنافس، ستتأكد أنك أمام وحش، لا مجرد لاعب كرة قدم.








