المباريات

جميع المباريات

بـ8 مهاجمين وانبطاح توخيل.. كيف عادت الأرجنتين أمام إنجلترا؟

الأرجنتين

الأرجنتين

مرة، وليست الأخيرة، برهنت الأرجنتين على صلابتها النفسية، وأثبتت قوة شخصيتها في تحدٍ آخر أمام إنجلترا، بعدما عادت في النتيجة، وقلبت الأمور لتفوز في نصف نهائي المونديال بنتيجة 2-1،

موضوعات متعلقة

مباراة الشوط الأول غير الثاني تمامًا، وتفاصيلها بينت الفارق بين تحضير خططي أكثر من رائع للأرجنتيني ليونيل سكالوني، الذي حمل العديد من السيناريوهات، وبين عجز توماس توخيل، الذي لعب المباراة بفلسفة وطريقة واحدة، بدت غير جاهزة لمواجهة التقلبات. ماذا جرى في أمتع مباريات البطولة؟ وكيف قلب ليونيل ميسي الطاولة من الجهة اليمنى كالعادة؟ هذه التساؤلات وغيرها نجيب عنها في هذا التقرير:

معركة بدنية

كان الشوط الأول أشبه بحلبة مصارعة، اقتتالًا بدنيًا أكثر منه صراع كرة قدم، واحتكاكًا قويًا، وعنفًا متعمدًا مع كل لعبة، سواء كانت في وسط الملعب ومعركة الحيازة، أو بالقرب من مرمى أي من المنافسين.

حاول كل طرف أن يقول للآخر منذ بداية المباراة: "لن أتنازل.. أنا الطرف الذي سيفوز"، ومن هنا بدا الأمر كما لو كنا في معركة وعركة، لا مباراة كرة قدم، وكان الهدف الأساسي من البداية هو كسب الصراع النفسي.

كانت 45 دقيقة خالية من أي لمحات فنية أو محاولات على مرمى المنافسين، حيث لم يفلح أي من المنتخبين في صناعة فرصة تهديف واحدة، ولم يسدد أي منهما على المرمى سوى تسديدة واحدة بين القائمين والعارضة، وكانت لصالح الأرجنتين.

كانت الأخطاء المرتكبة هي الرقم الأبرز، حيث وقع منتخب الأرجنتين في 11 مخالفة، مقابل 7 للمنتخب الإنجليزي، ولولا الصبر الذي تحلى به الحكم الأمريكي لكنا شاهدنا حالة طرد مبكرة هنا أو هناك.

داخل منطقة جزاء كل منافس، لم يلمس أي من الفريقين الكرة سوى 4 مرات، وهو رقم يعكس أن المباراة انحصرت في وسط الملعب وبعيدًا عن مناطق الخطورة، ليبين حجم الخوف والحذر اللذين كانا اللغة السائدة في بداية المباراة.

كان هذا السيناريو في صالح المنتخب الإنجليزي أكثر من الأرجنتين، لأن الأخيرة استحوذت على الكرة بنسبة 61%، ولو لعبت في سيناريو أكثر هدوءًا، وسباق حول لعب الكرة لا العراك البدني، لتمكنت من صناعة الخطر.

التسرع والتركيز على الخشونة والالتحامات أفقدا ميسي تحديدًا تركيزه، حيث تعرض للضرب أكثر من مرة، من لاعبين وثلاثة، مما أفقده القدرة على التحكم باللعبة كما هو المعتاد، ورغم تواجده في مناطق خطرة في لعبتين على الأقل، فإنه لم يترجمهما إلى فرصة أو تسديدة جيدة، بسبب الضغط الكبير والعنف الذي ارتُكب ضده، وهزه كثيرًا.

غلق الأطراف

نجح كلا المدربين في الـ45 دقيقة الأولى في إغلاق طرفي الملعب، حيث مال كل منهما إلى الخيار البدني والكثافة العددية على الأطراف أكثر من بحثه عن العمق الهجومي.

في الأرجنتين، كان الدفع بجوليان سيميوني أمام مولينا في الجهة اليمنى هدفه منع أي تقدم لإنجلترا من هذه الجبهة، حيث مال بيلينغهام إلى تقديم الدعم للجناح جوردون، لكنهما لم يجدا متنفسًا.

كما ظهر جوليان ألفاريز، مهاجم الأرجنتين، بأدوار مختلفة وقت فقدان الكرة، حيث كان يعود ليدافع في الجهة اليسرى أمام تاجليافيكو، ونجحا أيضًا في منع جيمس وروجرز من تشكيل الخطورة في هذه الجبهة.

كما أن توماس توخيل مال في اختياراته إلى أصحاب القوة البدنية أكثر من أصحاب الحلول والابتكار الهجومي، سواء في الظهيرين أو حتى الجناح، ومن هنا أغلق المساحات تمامًا، ونجح في جعل كل الطرق مسدودة أمام رجال سكالوني على الأطراف.

الشوط الثاني.. الأجمل في المونديال

مع انطلاقة الشوط الثاني شاهدنا سيناريو هوليووديًا آخر، مليئًا بلحظات الإمتاع والإبداع، ومجنونًا بمشاهد الإثارة والتحولات الدرامية شديدة القسوة على الإنجليز، وغزيرة البهجة على الأرجنتينيين.

كانت البداية بهفوة قاتلة من الظهير الأيمن الأرجنتيني مولينا، حين غفل لثوانٍ عن مراقبة الجناح الإنجليزي جوردون، وبدلًا من التقدم نحو الكرة لإخراجها بعيدًا عن مرماه، انتظرها كثيرًا، فسبقه جوردون وسجل هدفًا لم يكن في صالح الإنجليز بقدر ما هدم الاستراتيجية الإنجليزية، ومنح الأرجنتين السيناريو الذي أرادته.

ظنت إنجلترا بعد الهدف أن المباراة ستنتهي لصالحها، وسعت جاهدة بكل قوتها للدفاع بمنظومة 10-0، ولم تقم بأي عملية تحول هجومي من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، حتى إن بيلينغهام وهاري كين تحولا إلى مدافعين على مقربة من منطقة الجزاء وداخلها.

قراءة سكالوني.. سيناريوهان قبل القاضية

كان سكالوني أكثر تحضيرًا واستعدادًا لمثل هذه اللحظة على مستوى تغيير الطريقة والتشكيلة، بتغييرات بعضها مفاجئ وغير متوقع، وآخر كان محسوبًا ومعروفًا ومكررًا.

التغيير الأكثر غرابة كان بخروج لاعب الارتكاز الوحيد باريديس، ودخول الجناح الأيسر جونزاليس، وهنا عاد إنزو وماك أليستر كمحوري وسط، وعلى يسارهما جونزاليس.

ثم استبدل سيميوني ومولينا بدي بول في الجناح، ومونتييل في الظهير الأيمن، وهنا كان تحول كبير للغاية في كل شيء.

مال ميسي إلى اليمين كجناح أيمن، وانضم دي بول أكثر إلى معركة الوسط.

هنا بدأ الزحف الأرجنتيني بأكبر عدد في الثلث الأخير، ونجح سكالوني في منح الفريق انتشارًا عرضيًا مرعبًا، حاصر الإنجليز في مناطقهم.

وزاد الأمر قوة بدخول لاوتارو مارتينيز، ليكون التحول الأخير في المباراة بزيادة عدد مهاجميه على حساب الظهير تاجليافيكو.

أصبح انتشار الأرجنتين: ميسي يمينًا، وجونزاليس يسارًا، وبينهما في عمق الملعب لاوتارو وألفاريز، وخلفهما إنزو ودي بول وماك أليستر، سبعة مهاجمين، كان يزدادون إلى ثمانية بتقدم مونتييل في اليمين.

الحركية وتبادل الأدوار

لكي يفك المنتخب الأرجنتيني التكتل، نهج ثلاث أفكار رئيسية، الأولى كانت عبر التسديدات البعيدة التي تكررت كثيرًا، وسجل منها إنزو فيرنانديز الهدف الأول.

أما الثانية فكانت عرضيات مكثفة بجودة عالية من ميسي، ولولا الحظ لاستقبل بيكفورد أكثر من هدفين، حيث سدد ماك أليستر رأسية في العارضة، وأهدر روميرو فرصة أسهل منها.

منحت العرضيات التي قام بها ميسي وزملاؤه في الجهة اليمنى تحديدًا، 4 فرص تهديف مؤكدة، استغل منها لاوتارو مارتينيز إحداها وسجلها بطريقته الاعتيادية.

أما الفكرة الثالثة فكانت الحركية وتبادل الأدوار، والتي كانت عاملًا مشتركًا في كل عناصر الخطورة للأرجنتين.

على سبيل المثال، كان ألفاريز كثير الميل إلى الجهة اليسرى، بينما زاد ماك أليستر من مرات اقتحامه منطقة إنجلترا، وظهر كمهاجم أكثر مما ظهر ألفاريز نفسه.

ونجح سكالوني في استغلال المساحات خلف الظهير الأيمن جيمس أكثر من مرة، عبر تحركات ذكية للغاية من جونزاليس، الذي أجاد التحركات بشكل رائع.

عجز توخيل

في مقابل كل الأفكار والتغييرات التي قام بها سكالوني، والتي نجحت في تفكيك دفاعات إنجلترا، لدرجة أنه هدد مرمى المنافس أكثر من 15 مرة، ظهر توماس توخيل في أعجز حالاته.

ورغم تمتع فريقه بعناصر قوية هجوميًا، وبنك احتياطي كبير، لم يحدث أي تحول، ولم تظهر أي رغبة، وتبين للعالم كله أن إنجلترا ارتضت بما قدمته حتى الهدف، ولا تملك أي تصور للخروج من مناطقها.

كان من الممكن الدفع بساكا، وإيزي، وأورايلي مبكرًا، وكل منهم سلاح هجومي خطير كان بمقدوره أن يصنع الفارق، لكنه اختار عدم الدفع بالأولين، بينما دخل أورايلي في الجزء الأخير من المباراة.

ساعد أسلوب توخيل العاجز على استمرار الأرجنتين في مناطق إنجلترا طوال الوقت، فقارب الاستحواذ نسبة 70%، ومع غياب أي فرصة للتحول، كان من المتوقع أن يأتي السقوط.

فشل الألماني في توظيف الكتيبة التي تجلس إلى جواره، وبدلًا من إبراز شخصية هجومية، ورغبة حقيقية في أن يكون صاحب الفعل المبادر، ظل متمسكًا بالبقاء في مناطقه.

أظهر الشوط الثاني أمورًا مهمة للغاية، وهي أن سكالوني كان أكثر جاهزية للتعامل مع السيناريوهات المختلفة في المباراة، بامتلاكه أكثر من طريقة لعب لجأ إليها في جزئيات مختلفة، وأن لاعبي الأرجنتين كانوا أكثر رغبة وجاهزية نفسية. في المقابل، لم يحضر توخيل لاعبيه لتقلبات المباراة، ولعب بسيناريو وتصور واحد، في صورة عكست جمود عقله وطريقة تفكيره، فاستحق الطرف الأكثر سعيًا للانتصار الفوز، ونال الطرف الأضعف والأكثر حيطة وحذرًا الهزيمة.

مشاركة

عاجل
بـ8 مهاجمين وانبطاح توخيل.. كيف عادت الأرجنتين أمام إنجلترا؟ | الميدان