بعد عامين تسيد فيهما الراقي آسيا، جابها شرقًا وغربًا، تألق وأمتع وأبدع بكرة قدم استثنائية، وأسلوب لعب فريد امتازت به كبرى مدارس أوروبا، استيقظ الأهلاوية على ما يشبه كابوسًا.
لا رئيس
كانت أول صدمات الجماهير الأهلاوية هذا الصيف إعلان خالد الغامدي، رئيس شركة الكرة بالأهلي، استقالته من أجل رئاسة اتحاد الكرة السعودي.
لا تمانع الأغلبية الأهلاوية فكرة صعود وانتقال الغامدي، بسياساته وحكمته، إلى قمة الكرة السعودية، لإعادتها إلى تموضعها المستحق، ومكانتها البارزة بين منتخبات آسيا، والعالم أجمع.
لكن غياب البديل، وعدم اتضاح الرؤية، وما سبق قرار الغامدي وتلاه من قرارات، جعل الأمور أكثر ريبة، وزاد الأجواء قلقًا وتوترًا، وامتلأت الصفحات والحسابات الأهلاوية بالانتقادات التي لا تتوقف.
يعول كثيرون من عشاق الراقي على المؤسسية، تلك الفكرة التي لا تتأثر بخروج فرد، وتؤمن بأن الشركة ستنتج وتفرز بدائل قادرة على إكمال المسيرة، والسير بالراقي نحو مزيد من الأمجاد، لكن حتى الآن لم تتضح المعالم، ولم تظهر أي بوادر.
ثلاث سنوات قضاها الغامدي هنا، صنع فريقًا مرعبًا، وقدم سحرًا كرويًا نال إعجاب العالم كله، وتمكن من حصد الذهب الآسيوي مرتين.
وبينما كان الجميع يحلم بثلاثية تاريخية تضاهي ثلاثية ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا، مع التحليق عاليًا من أجل التتويج بدوري روشن، جاءت الصدمة قوية للغاية.
يايسله.. طعنة أقوى
تقبل الأهلاوية فكرة رحيل الغامدي، وزادها منطقًا وواقعية كونه ذاهبًا إلى مهمة وطنية، فالجميع هنا، أهلاوية أو مشجعو أي فريق آخر، يحلمون برؤية الأخضر في أفضل حالاته، وبأعلام المملكة تعلو وترتفع وتسود في كل مكان.
وفي الوقت الذي ينتظرون فيه اسمًا جديدًا يدعمونه لاستكمال الحلم، فوجئوا برحيل الرجل الذي صنع هوية الأهلي الجديدة، وجعل مباريات الفريق أشبه بعروض فنية ومسرحية يترقبها الجميع كل أسبوع.
يايسله، الذي اعتبرته الجماهير أقرب إلى قلوبها وعقولها أكثر من الإدارة ذاتها، الرجل الذي حينما حاوطته الشكوك وقت التذبذب، لم يجد دعمًا ولا سندًا أكثر مما وجده في مدرج الراقي.
ارتباط يايسله بالجمهور هو واحد من أجمل القصص في الشرق الأوسط وآسيا، بل وفي كرة القدم عمومًا، فالرجل الذي كان قريبًا من الرحيل، بدعم جماهيري، سيظل محفورًا في العقول والذاكرة، بقي واستمر وصنع المجد.
جاء خروج يايسله من الأهلي قبل أسبوعين فقط من انطلاق موسم جديد، مليء بالتحديات والصعوبات والأحلام والطموحات، ليفجر غضب الجميع، فلم تكتفِ إدارة الكرة في النادي بافتقاد الاسم المعشوق، بل تقبلت الأمر قبل أيام قليلة، ودون وجود حلول عاجلة وسريعة لإيجاد من يناسب هذه المنظومة التي خلقها وأوجدها المدرب الألماني بأسلوبه المتفرد.
كشف بركان الغضب الجماهيري الذي ساد كل المنصات في الساعات الأخيرة حجم العلاقة بين الأهلاوية ومدربهم، وقدر الخوف من خسارته وافتقاد سياساته الفنية، وطرق لعبه المبهرة.
محرز وكيسيه.. رحيل أهم القادة
قبل الغامدي، رحل عن صفوف الفريق رياض محرز وفرانك كيسيه، ولكليهما مكانة بارزة في قلوب عشاق الأهلي.
ليس فقط لإبداعهما وإخلاصهما، لكن لأدوارهما الكبيرة في نقل الخبرات إلى المجموعة، وقيادة غرفة اللاعبين، ولمّ الشمل وقت التحديات والعصاب.
خروج قائد مهم من أي فريق يخلق خللًا في غرفة اللاعبين، ويحدث ذلك في أعرق وأهم أندية العالم، وحينما تصاب غرفة اللاعبين بخلل، فإنك لا تستطيع تحقيق أي إنجاز مهما كان معك من نجوم ولاعبين كبار، ويمكن النظر إلى تجربة ريال مدريد، التي افتقدت غرفة لاعبيها للنظام والانضباط في الموسم الأخير.
كان يمكن أن يكون الأمر مقبولًا إن استمر يايسله، فهو صاحب قرار رحيل اللاعبين، ويعرف كيف يحفظ توازن المجموعة، وكيف يخلق قادة جددًا مع الوقت، لكن قرار رحيله أعاد إلى الواجهة الحديث، مرة ليست أخيرة، عن مدى صوابية افتقاد قائدين محنكين في آن واحد، دون إعداد خليفة قادر على حمل هذا الإرث الكبير.
لقد أصبح الجمهور الأهلاوي في كل مكان يتساءل: لماذا جرى كل هذا؟ وكيف سنعوض الخلل؟ ومن يستطيع إعادة الثقة التي أفقدتمونا إياها الآن؟
تحولت مهمة الرئيس القادم إلى واحدة من أعقد وأصعب المهام والتحديات، بدءًا من اختيار مدير فني كبير، إلى وضع سياسات بديلة قادرة على دعم الاستقرار وحل المشكلات.
كما أن المدرب الجديد سيكون أمام تحدٍ أصعب، فجمهور الأهلي، بعد يايسله، لن يقبل بمعادلة غير تلك التي تجمع روعة وجمال الأداء، مصحوبة بأكبر وأهم البطولات.












