تهديد الاعتزال
بينما كانت ثورة اللاعب الخارق تبدّل حال الكرة العالمية، وترسم سقفًا جديدًا مع برشلونة، ويغطي سحره على كل ما سبق، ظلت بلاده مصدر تعاسته، وسبب اكتئابه الوحيد، والسر كان فشله في التتويج بلقب كبير مع راقصي التانجو.
كان ميسي، في نظر العالم، معجزة المعجزات، ولدى قطاع كبير في بلاده، المتخاذل الذي يبدع ويتألق مع ناديه، ولا يقدم شيئًا لوطنه.
سأله ابنه: "أبي، لماذا لا يحبونك في الأرجنتين؟"
لم يكن مجرد تساؤل عفوي عابر، بل كان طعنة. قال عنها ميسي لاحقًا: "لقد اكتئبت لأن ابني يرى الجمهور الأرجنتيني يصفني بالخائن، بينما يصفق لي العالم في كل مكان".
فعل ميسي كل شيء من أجل أن يتوج الأرجنتين، وظلت الألقاب ترفضه، حتى اضطر إلى الاعتزال تحت وطأة الضغط والحزن في 2016 بعد خسارة كوبا أمريكا.
حينما جاء ليونيل سكالوني بشكل مؤقت لتدريب الأرجنتين، لم يجرؤ على الاتصال بميسي بمفرده، بل استعان بمساعده بابلو إيمار، الذي كان قدوة ميسي في طفولته.
وحينما طالباه بالعدول عن قراره والعودة من الاعتزال، كان رده صادمًا: "أنتم مجانين.. كيف تقبلون بمهمة مثل هذه؟".
لأن الله أراد.. مقولة تاريخية
في 2021 جاءت لحظة فارقة في مسيرة ميسي مع الأرجنتين.
قبل نهائي القرن، الأرجنتين والبرازيل في بطولة كوبا أمريكا، التف الجميع حول ميسي بالقرب من دائرة وسط الملعب قبل انطلاق المباراة بدقائق.
تحدث بإيمان غير مسبوق في مسيرته، وقال لرفاقه: "لقد أجّل الله تتويجنا باللقب كثيرًا، لكي نفوز هنا في قلب الماركانا. سنفوز باللقب الليلة، لأن الله أراد".
كان بداخله أن كل ما فات من أحزان واكتئاب وانتقادات واتهامات بحقه، كانت مقدمات لعوض كبير سيبدأ من الماركانا ويمتد إلى الدوحة، حين رفع، طويل العمر كما غنى له عصام الشوالي، كأس العالم عقب الفوز على فرنسا في النهائي الأقوى عبر تاريخ البطولة.
لقد لعب الإيمان أقوى الأدوار في نجاح ميسي مع الأرجنتين، فلم تكفه موهبته الفذة، ولا وصفه بالكائن الفضائي، ولا قدراته الخارقة التي صنع بها أمجاد البلوجرانا، وجعلت برشلونة يقدم تجربةً دائمًا ما اقترنت بالأفضل تاريخيًا.
لم يكن إيمان ميسي وحده كافيًا، بل إيمان المجموعة كاملة به وبحظوظها، وما سجله جيل جديد من شهادات بشأن استعدادهم للتضحية والموت من أجل أن يروا ميسي بطلًا للعالم، أولئك الذين نشأوا صغارًا على حب ميسي ورأوه يعاني بسبب خسارة الألقاب.
2026.. البطولة الأكثر راحة
على النقيض من البطولات الخمس الماضية، يدخل ميسي هذه النسخة لأول مرة بلا ضغوط ولا مطالب ولا مخاوف، بعدما حقق المرجو منه ومنح راقصي التانجو لقبين تاريخيين.
أصعب شيء في كرة القدم هو الضغوط الواقعة على عاتق اللاعبين، هكذا يجمع أساطير التدريب مورينيو وجوارديولا وكلوب في كل مؤتمراتهم خلال العقدين الأخيرين، وطوال مسيرته ظل ميسي، مع الأرجنتين، اللاعب الأكثر محاصرة بالضغوط الجماهيرية.
قواعد 2022 حاضرة
لكننا اليوم على موعد مع حالة مختلفة تمامًا؛ ميسي في خواتيم المسيرة، وبجاهزية جيدة للغاية.
قبل مونديال 2022 كانت مشاركات ميسي مع باريس سان جيرمان، في الموسم الذي سبق البطولة، هي الأقل مقارنة بكل مشاركاته المونديالية السابقة.
اختار ميسي باريس بالتحديد كجزء من استراتيجية استهدف من خلالها أن يصل إلى مونديال قطر بجاهزية بدنية تعفيه من حالة الإرهاق والإجهاد التي كان يصل بها سابقًا في 2018 و2014 و2010، حينما كان عدد الدقائق التي يشارك فيها مع برشلونة يفوق 4 آلاف دقيقة.
وبالفعل ظهر ميسي بنسخة متفجرة، وجاهزية كبيرة، وحالة يقظة ذهنية دائمة، منحته لقب الأفضل في البطولة إلى جانب اللقب.
بعد مونديال 2022، ولكي يصل إلى مونديال 2026 بأعلى قدرات ممكنة، اختار ميسي نزهة إنتر ميامي.
فريق بلا ضغوط ولا مطالب ولا تنافسية، وحياة صالحة للاستجمام والاسترخاء وإعادة شحن الطاقة الذهنية بطريقة مثالية، خاصة حينما يرتبط ذلك بمكان يحبه جميع أفراد العائلة، حيث متعة الحياة على شواطئ المدينة المبهرة.
كان لاختيار ميسي إنتر ميامي، على حساب بطولات وأندية أخرى، عديد الأسباب، مثل العائلة والاستثمار، لكن ظلت نظرته إلى مونديال 2026 حاضرة في خطته بعيدة المدى، وها هو يصل إلى البطولة بالطريقة والحالة اللتين أرادهما.
حين سُئل قبل أيام: "هل أنت جاهز للمونديال؟" رد بلغة جسد واثقة، ووجه يملؤه التفاؤل: "قطعًا.. منذ عام وأنا أستعد لذلك".
بعد تتويجه بـ2022 كان ميسي متشككًا في المشاركة مرة أخرى في المونديال، لكنه فعل كل ما يجب من أجل أن يكون بالحالة البدنية والنفسية التي هو عليها اليوم.
100% تركيز
يعمل ميسي على رفع معدلات التركيز والجاهزية الذهنية أكثر من أي شيء آخر.
في مونديال 2022 اختار أن يقيم في غرفة بمفرده، رغم أن كل اللاعبين في المعسكر كانوا يقيمون في غرف مزدوجة.
على مدار سنوات طويلة، كان أجويرو مرافقًا لميسي، لكن مع اعتزاله اختار ليونيل العزلة والوحدة، وهو ما يكرره اليوم في مونديال أمريكا أيضًا، حيث تمسك اللاعب بأن يبقى وحيدًا.
ولأجل مزيد من التركيز، خرج ميسي من المجموعة الخاصة باللاعبين على تطبيق واتساب، في رسالة واضحة للجميع: "توقفوا عن المزاح.. الآن وقت الجد والعمل".
حينما تربط بين حالة التركيز التي يعيشها ميسي، وما فعله في الموسم الأخير من أجل الاستعداد لهذه اللحظة من جهة، والتشابه بينه وبين المونديال الماضي من جهة أخرى، يمكنك أن تستنتج بأن ميسي لديه القدر نفسه، أو قدر كبير، من الإيمان الذي كان عليه ليلة التتويج بالكوبا في الماركانا، والذي رافقه حتى لحظة اعتلاء منصة مونديال قطر.
أهداف فردية
وإلى جانب الهدف الأسمى، وهو التتويج رفقة المجموعة باللقب، يدخل ميسي منافسات المونديال المقبل بحوافز ودوافع فردية كبيرة.
على رأس مستهدفات ميسي، تجاوز الهداف التاريخي للمونديال الألماني ميروسلاف كلوزه.
ويسعى ميسي إلى تحطيم رقم بيليه الخاص بصناعة الأهداف، حيث يمتلك البرازيلي 10 تمريرات حاسمة مقابل 8 تمريرات للأرجنتيني.
كما يستهدف ميسي معادلة رقم كافو كأكثر اللاعبين خوضًا لنهائي المونديال، حيث لعب البرازيلي نهائي البطولة في ثلاث نسخ، ولعب ميسي نهائيين في 2014 و2022.
الخبرة تخدم ميسي
كما يتسلح ميسي في النسخة المقبلة من المونديال بما اكتسبه الرفاق من خبرات بعد تجربة قطر.
أصبح ليونيل محاطًا بلاعبين أكثر نضجًا وخبرة وتمرسًا، وشهدت مسيرة بعضهم تطورًا على مستوى العقلية والعطاء الفني والتكتيكي، مثل جوليان ألفاريز الذي بات اليوم المهاجم الأهم والأكثر طلبًا في العالم مع إيرلينج هالاند، وإنزو فيرنانديز الذي يرغب ريال مدريد في ضمه بشدة.
بين 2006 و2026 فوارق جسيمة، تجعل ميسي يدخل منافسات الختام بطريقة لم يكن يحلم بها، وتجعل المشاهد على موعد مع عرض سينمائي أو مسرحي لأفضل سحرة العصر.
فهل يقدم ليونيل مونديال العمر، ويختتم مسيرته بحلقة أخيرة تليق ببطل الأبطال؟








