حضور كبير منذ انطلاقة البطولة، فكاب فيردي، التي تشارك لأول مرة في تاريخها، عطلت الماتادور الإسباني المرعب، والكونغو الديمقراطية فاجأت كريستيانو رونالدو ورفاقه في البرتغال، وغانا، التي عانت في المواسم الأخيرة لدرجة أنها غابت عن بطولة أمم أفريقيا، أعجزت منتخب إنجلترا، غير ما فعلته المغرب من انطلاقة كبيرة أمام برازيل كارلو أنشيلوتي، وعلى نهجها مصر التي أعجزت كيفين دي بروين ورفاقه في بلجيكا.
كل هذه المقدمات زادت الثقة في نجوم القارة السمراء، ومهدت الطريق لإنجاز وتقدم غير مسبوق، ودفعت أساطير ونجومًا كبارًا بحجم أسطورة هولندا سيدورف، ونجم ليفربول بيتر كراوتش، إلى التأكيد على أن تطور الكرة الأفريقية، الذي بدأ وظهر في انطلاقة مونديال 2026، يمهد لفوز منتخب أفريقي قريبًا بكأس العالم، فكلاهما وغيرهما من النجوم أجمعوا على أن تتويج منتخب أفريقي بالمونديال مجرد وقت.
ارتداد أفريقي
لكن مع انطلاق مباريات الدور الثاني، شهدت المنافسات سقوطًا مريبًا لمنتخبات القارة السمراء، لكن أغرب ما في هذا السقوط هو الطريقة التي جاء بها، والتي كشفت مجددًا قلة الطموح الأفريقي، واختلاف العقلية عن نظيرتها الأوروبية المفعمة بالحماس والتركيز والطاقة والرغبة في الانتصار.
كانت البداية مع منتخب جنوب أفريقيا، الذي لعب أمام كندا بثقة، وتمكن من صناعة الخطر والفرص، وكان قريبًا من التسجيل.
أهدر نجوم البافانا بافانا الفرص الواحدة تلو الأخرى، ثم استقبلوا في الوقت القاتل هدفًا أطاح بهم من البطولة، بشكل درامي صاحب بقية المنتخبات الأفريقية.
في اليوم التالي، كانت كوت ديفوار في مواجهة متكافئة أيضًا أمام النرويج، وبينما كان الإيفواريون في حالة رائعة خلال المباراة، وتقدموا لتسجيل هدفهم الثاني، جاءت الدقيقة 85 لتحمل نبأً آخر غير سار لأبناء القارة، فسجلت النرويج وأطاحت بالأفيال في الوقت الأخير من المباراة.
الكونغو.. كسل الربع الأخير
مر يوم صعب على القارة الأفريقية، بينما جاء اليوم الثاني أكثر قسوة وألمًا في تفاصيل الخروج.
بدأ بمواجهة الكونغو وإنجلترا، فتقدمت الكونغو وصنعت فرصًا كثيرة، وكانت التحولات سلاحًا خطيرًا فرطت من خلاله في التسجيل مرة ومرتين أخريين.
في الربع ساعة الأخير من المباراة، خطف هاري كين، بين مدافعين، رأسية كانت ضعيفة وفي وسط المرمى، لكن الحارس لم يتعامل معها بجدية، وكما تكاسل زملاؤه في متابعة الكرة العرضية، سار على دربهم.
بعد دقائق، وعند الدقيقة 86 تحديدًا، سجل هاري كين هدفًا لا يمكنه تسجيله بالطريقة نفسها أمام أي دفاع في الدوري الإنجليزي، حتى لو كان فريقًا في القاع.
صحيح أنه انطلق وسدد ببراعة في زاوية صعبة، لكن تسلمه للكرة لم يكن في موقف خطر، ولولا السرحان والتكاسل وقلة تركيز قلبي الدفاع الكونغوليين، لما تمكن من الاستدارة والتقدم بالكرة من الأساس، وأمام أي دفاع منظم لديه قدر من المسؤولية والوعي والجدية، ما كان له أن يجد الطريق إلى التسديد، ومعها غادرت الكونغو بعد مباراة قوية.
السنغال.. أقسى سيناريو
ولأننا أمام سيناريوهات، كلٌّ منها أقسى من سابقه، فكان الختام أشد بؤسًا على القارة الأفريقية.
استحوذت السنغال وتقدمت على بلجيكا بهدفين، ولم تحصل بلجيكا على فرصة تهديف مؤكدة طوال 86 دقيقة، ثم خلال ثلاث دقائق فقط سجلت هدفين من عرضيتين، وبمعدل أهداف متوقعة بلغ هدفًا واحدًا، ما يعكس الأعراض ذاتها التي عابت الكونغو، من تكاسل وقلة تركيز واطمئنان إلى نتيجة لم تنتهِ بعد.
عند الدقيقة 120، ارتكب كامارا، مدافع السنغال، خطأً داخل منطقة الجزاء لا يقع فيه سوى مراهق، أو صبي في بداية مشواره، ومعها ودع السنغاليون البطولة باستقبال هدف ثالث.
العقلية.. المغرب دليلًا
كل السيناريوهات التي عشناها تعود بالأساس إلى العقلية الأفريقية، التي لم تنشأ على الثقة بالنفس، والقدرة على الانتصار أمام العمالقة، والتشكك الدائم الذي يحاصر اللاعب الأفريقي ويحرمه من تقلد الأماكن الجديرة بها، والبطولات التي يستحقها.
لم يتمكن أي منتخب أفريقي طوال التاريخ من الفوز بكأس العالم، رغم امتلاك أجيال ذهبية قدمت مستويات خارقة في مراحل الناشئين والشباب، مثل غانا ونيجيريا وغيرهما.
لكن النموذج المغربي، الوحيد الذي نجا من سيناريوهات الوداع القاسي، امتلك عقلية كبيرة جعلته يعود في وقت متأخر ويظهر بصلابة نفسية وقوة ذهنية أمام هولندا، تختلف تمامًا في النسق والنهج عن نظرائه الأفارقة.
تجربة المغرب مبنية بالأساس على لاعبين نشؤوا وتربوا في قارة أوروبا، واكتسبوا ثقافة الانتصار في الأكاديميات التي تربوا فيها، لذلك فإن الفوارق التي تجلت تؤكد أن اللاعب الأفريقي يفتقد إلى ثقافة الانتصار، وتهزمه عقليته غير الطموحة والكسولة في أهم وأصعب الأوقات، وتاريخ المونديال شاهد على ذلك.









