تحدي ميسي المبكر
شهدت المباراة تحولات درامية وسيناريوهات عديدة، وكأننا أمام واحدة من روائع هوليوود.
الأمر بدأ خارج الملعب بأيام، إذ حرص نجوم مصر على التأكيد أنهم لا يرون ميسي وحده، ولا يعاملونه معاملة خاصة، في رسائل جاءت مقصودة خلال المؤتمرات الصحفية.
البداية كانت بسؤال لحمزة عبد الكريم عقب إحدى التدريبات: هل تشعر بأنك حققت حلمك بمواجهة ميسي؟ فكان الرد: "سنواجه الأرجنتين، وليس ميسي وحده".
ثم كرر زيكو، جناح ومهاجم الفراعنة، الأمر في رده على تساؤل مشابه: "لن نراقب ميسي بشكل خاص، إذا فعلنا ذلك سيسجل غيره، سنتعامل معه كما نتعامل مع بقية اللاعبين".
حتى حسام حسن حرص على نقل الفكرة نفسها إعلاميًا، إذ حاول الجميع داخل معسكر الفراعنة إيصال رسالة مفادها أن ميسي لن يحظى بمعاملة خاصة، فكان الأمر بمثابة استفزاز للبرغوث، الذي لدغ الجميع في 20 دقيقة، وأطاح بحلم مصري كان قريبًا ومستحقًا.
سكالوني.. احترام كبير للفراعنة
احتاط ليونيل سكالوني للفراعنة، ولعب بشكل محافظ جدًا، وبدّل طريقته ليلعب للمرة الأولى في المونديال بلا جناح على الخط، وبلا مهاجم ثالث، مكتفيًا بميسي وألفاريز، فكيف كان الشكل؟
بدأ سكالوني بطريقة 4-4-2، وإذا أردنا التحدث عنها تفصيلًا، فيمكننا القول إنه اعتمد على 4-1-2-1-2.
رباعي دفاعي كالعادة، وأمامهم باريديس، وعلى يمينه دي بول، ويساره إنزو فيرنانديز، وأمامهما ماك أليستر، خلف ميسي وألفاريز.
أراد سكالوني كثافة عددية كبيرة في وسط الملعب، وعدم ترك أي مساحة للمنتخب المصري لمباغتته.
بالفعل استحوذت الأرجنتين على الكرة في الشوط الأول، لكن اختصار هجماتها على العمق صعّب مهمتها في خلق الفرص.
كان الرهان على تقدم تاليافيكو من الجهة اليسرى، مستغلًا دخول الظهير الأيمن المصري محمد هاني إلى العمق.
مرتين صنع الظهير الأيسر الأرجنتيني الخطورة، فحصل على ركلة جزاء، وقدم تمريرة خيالية لألفاريز داخل منطقة الست ياردات، فأهدرها.
تألق شوبير
أمام هاتين الفرصتين الوحيدتين لمنتخب الأرجنتين، برع الحارس المصري مصطفى شوبير، الذي قدم شوطًا تاريخيًا.
ظهر ميسي مترددًا في ركلة الجزاء التي أهدرها، ولم يرفع عينه ليرى الحارس الذي تحرك قبل التسديد، فأظهر الحارس المصري شخصية كبيرة وتصدى له.
ثم تعملق أمام ألفاريز في فرصة هدف شبه مؤكد، وقبلها كان قد تصدى لرأسية ماك أليستر، الذي اقتحم المنطقة وحصل على الكرة مرة واحدة فقط.
كان شوبير سببًا رئيسيًا في تأخير عودة الأرجنتين للمباراة وتقدمها على مصر، ليقدم مباراة تاريخية لن ينساها له الجمهور، رغم استقباله ثلاثة أهداف لاحقًا.
تحولات العميد
في المقابل، كان لدى المنتخب المصري سيناريو جديد باغت به منافسه في غياب المهاجم الصريح عمر مرموش.
صنع الفراعنة خطورة كبيرة عبر الأطراف، وتحديدًا من خلال إمام عاشور وهيثم حسن.
واستغل الفراعنة في بداية المباراة تفوقهم الكبير في الركلات الركنية هجوميًا خلال البطولة، وسجلوا بعد مهارة رائعة وثقة بالغة من إمام عاشور، الذي وقف على الكرة ثم تجاوز المدافع.
كان هذا الهدف هو المفتاح السحري الذي منح حسام حسن ولاعبيه ما أرادوا.
في الشوط الثاني، تقدم المنتخب الأرجنتيني بصورة مبالغ فيها، وتأكد سكالوني أن الاحترام الزائد قد يطيح به خارج البطولة.
هيثم ماردونا.. ليلة للتاريخ
ومع التقدم المبالغ فيه، قدم هيثم حسن، جناح المنتخب المصري، واحدة من أروع مباريات أي جناح في البطولة.
كان يجيد بشدة عملية التقدم بالكرة، ونقل فريقه من الثلث الدفاعي الأخير إلى مرمى المنافس في أقل من ست ثوانٍ.
راوغ لاعبًا واثنين وثلاثة، وصنع هدفًا ألغاه الحكم بطريقة غريبة، نظرًا لارتكاب المدافع المصري خطأً قبلها.
لم يستسلم هيثم، ولم يستسلم الفراعنة، فعاد في هجمة مرتدة بموقف لاعبين ضد أربعة، وقدم مع محمد صلاح نموذجًا رائعًا للارتداد.
كانت البداية ذكية من صلاح في الوقوف والصبر والانتقال إلى الثلث الأخير من الملعب، ثم جاء الإبداع في مراوغة هيثم حسن لمدافعين، وضرب الخط الأخير.
هنا كان زيكو قادمًا من منتصف الملعب، وبدهاء مصري خالص، راوغ مدافع الأرجنتين بالحركة وخدعه، فجعله يظن أنه سيطلب التمريرة العرضية على القائم البعيد، فتحرك إلى القائم القريب وسجل.
تغييرات العميد.. والإصابات
بعد الهدف الثاني، واجه المنتخب المصري سوء حظ كبيرًا، فبعد خروج إمام عاشور للإصابة بين الشوطين، خرج أيضًا هيثم حسن.
هنا فقد المنتخب المصري ركيزتي الأداء الأساسيتين، ولم يعد هناك لاعب داخل الملعب قادر على قيادة التحولات أو التحكم في الرتم وإيقاع اللعب.
تحت الضغط الأرجنتيني المتزايد، وبفعل تغييرات هجومية كبيرة من سكالوني، الذي أخرج الظهير الأيسر ولاعب وسط، ودفع بالمهاجم لاوتارو مارتينيز وجناح، تراجع المنتخب المصري بشكل مبالغ فيه.
كان المنتخب المصري كلما افتك الكرة أعادها إلى المنافس.
وأمام سيناريو كهذا، تحولت المباراة إلى فريق يهاجم فقط، وفريق يدافع بلا تصور للهجوم أو الانتقال إلى الملعب الآخر.
عقاب ميسي
هنا لا يمكنك الصمود 90 دقيقة أمام فريق يضم ميسي.
بوعي شديد، ذهب إلى الجهة اليسرى، تاركًا العمق الذي تأكد أن المنتخب المصري أجاد إغلاقه حين دفع حسام حسن بلاعب وسط ثالث هو حمدي فتحي.
عرف ميسي كيف يجد المساحة في الجهة اليسرى، فصنع الهدف الأول، ولم يكن ليأتي لولا تقدم المدافع روميرو لتحقيق كثافة هجومية احتاجتها الأرجنتين، التي اعتمدت على ثلاثة مهاجمين صريحين في عدد كبير من الهجمات.
لم يكن لدى سكالوني شيء يخشى خسارته، فدفع بأحد مدافعيه للمشاركة هجوميًا.
واصل ميسي صناعة الإزعاج والخطورة، بمراوغاته وعرضياته، التي سجلت منها الأرجنتين الهدف الأول، ثم أهدر لاوتارو هدفًا مؤكدًا.
وقرر ميسي ألا يبقى على الخط كثيرًا، وأدرك السقوط النفسي للفراعنة، فاقتحم العمق وسجل بنفسه.
الصدمة تنهي على الفراعنة
أصيب الفريق المصري بصدمة كبيرة بعد هدف التعادل، وزادت المصائب بخروج أهم لاعبيه: إمام عاشور وهيثم حسن.
لم تعد هناك قدرة على الصعود بالكرة، أو التقدم، أو صناعة التحولات.
هنا وقع تحول غريب، وإن كان بتعليمات حسام حسن، فهو كارثي، حين تقدم حمدي فتحي ولعب كما لو كان مهاجمًا لطلب العرضيات.
كان تقدم المصريين أشبه بشخص مصدوم بعد ضربة قاسية، لا يدري ماذا يفعل وكيف يتحرك.
بالغ الفريق المصري في الدقائق الأخيرة في التقدم، فالمنتخب الذي ظل يدافع معظم المباراة، ولا يهاجم سوى بالتحولات وثلاثة مهاجمين فقط، ما كان ينبغي أن يتقدم بهذه الطريقة.
ومع خروج المنتخب المصري من مناطقه، لم تحتج الأرجنتين سوى هجمة مرتدة واحدة، سجل منها لاوتارو هدفًا قاتلًا، أطاح بمصر من المونديال.








