اختبار الكبار
ظن العالم أن بداية فرنسا القوية أمام السنغال والعراق، لضعف المنافس، واجتمع المليارات حول الشاشات الليلة ولسان حالهم: "هذا الاختبار الأول للمرشح الأقوى للفوز بالمونديال".
ترقب الكثير من المتشككين في الطرح العام الذي يؤكد بأن فرنسا المرشح الأول للتتويج باللقب، وبنسب أعلى من الجميع بفارق كبير، أن يظهر أي تعثر أمام النرويج، الفريق المنظم، صاحب المدرسة الأوروبية المنضبطة، والمدجج بالنجوم، والقادر على التنافس في أعلى المستويات، لكننا كنا أمام نسخة فرنسية أكثر وحشية، وشراسة، وحدّة في تهديد مرمى المنافس، وفي استعراض قوتها وقدراتها، كل ذلك تحقق دون أن يقدم لاعبو الديوك 100% من عطائهم، ولم يلعبوا بكامل طاقتهم.
إذا امتلك الديوك الاستحواذ، فهم أقدر فريق على فك التكتلات الدفاعية مهما بلغت صلابتها، وأكثر المنظومات الهجومية قدرة على خلق الفرص والوصول لمرمى المنافس.
وإذا راهن على التحولات، أو منحه منافسه فرصة لذلك، فإنه اختار بنفسه الانتحار أمام أشرس منظومة تُفعّل التحول من الحالة الدفاعية إلى الهجومية.
وفي كلتا الحالتين، امتلك الاستحواذ، أو لجأ للتحولات، يبقى المنتخب الفرنسي، صاحب الحلول الهجومية الأكثر فاعلية أمام المرمى.
ميسي نيمار سواريز.. ديشامب في وضعية إنريكي برشلونة
حينما يصل المنتخب الفرنسي إلى الثلث الأخير من الملعب، فأي دفاع يواجهه أمام خطر داهم، فكل اسم يملك الكرة صاحب حلول فردية خارقة، ولديه القدرة على المراوغة في أضيق المساحات، وبمقدوره أن يسدد كالمدفع إذا ظهر سم واحد.
سواء كان ذلك الشخص ديمبيلي، أو مبابي، أو أوليسي، أو دوي، سواء كان أحدهم في اليمين أو اليسار أو العمق، بأي منطقة ومع أي لاعب، تبقى الوضعية خطرة على أي منافس، لأنك أمام رباعي سيصنف ضمن أفضل عشرة لاعبين في العالم قدرة على التسجيل والصناعة.
إن الحالة التي يحياها ديديه ديشامب، الذي غاب عن مباراة الليلة لوفاة والدته، تذكرنا بمرحلة برشلونة الذهبية مع الثلاثي ميسي، نيمار، سواريز، حينما كان يعتمد لويس إنريكي على فكرة واحدة تقوم على نقل الكرة إلى هذا الثلاثي وتركه يتصرف بحرية كاملة، ثم يجري ما يجري من جنون ومتعة وتأثير وتهديف كان بين الأفضل في تاريخ أندية العالم.
مبابي النجم الأول.. ولامركزية مرعبة
تألق مبابي وشاركه أوليسي في الافتتاح أمام السنغال، ثم عاد مبابي ليتألق أمام العراق وشاركه ديمبيلي، ثم انفجر ديمبيلي أمام النرويج وسجل الهاتريك، لكن بقي مبابي شريكًا بصناعة هدفين، وبأقل مجهود ترك الأثر والفاعلية الكبيرة، ومعهما دوي، الذي أينما تواجد حلّ الخطر، وتمكن من التأثير.
لكن أكثر ما يرعب في هذه المنظومة الهجومية هي حالة اللامركزية، فالمنتخب الذي بدأ بأوليسي بمركزه الاعتيادي كجناح أيمن، يمكنه اللجوء إلى ديمبيلي في هذا المركز ليتفجر ويأتي من على الخط مقتحمًا العمق ليسجل بيسراه، التي لا تختلف عن يمناه.
وأوليسي، الذي يطير كالعدائين، حينما يتحول لصانع لعب بالعمق فلا يقل خطورة، ومبابي يمكنه التجول أينما ذهب سيؤثر، يمينًا، يسارًا، بالقرب من العمق، هذه التشكيلة المرعبة تربك أي مدير فني منافس يفكر في وضع خطة لوقف خطورة أيٍّ من هؤلاء.
لا يمكن لمدرب في العالم أن يحدد طريق إيقاف لاعب بعينه في منظومة فرنسا، أو يتوقع أين سيلعب كلٌّ من مهاجميه ليختار الأسماء الأنسب لمواجهته، وحتى حينما يلجأ إلى المنظومة الجماعية والتكتل، فأيضًا سيعاني.
الدكة الأخطر في المونديال
في الأرجنتين كل الحلول تدور في فلك اسم واحد، ليونيل ميسي، الذي سجل كل الأهداف، وإذا تعطل توقفت معه الأرجنتين، وفي إسبانيا الأمور ليست بنفس الشراسة الفرنسية، ولا تمتلك الأسماء الهجومية الفاعلية بقدر فرنسا، بينما في فرنسا لا يكتفي الديوك بهذه التركيبة المرعبة داخل الملعب، فهناك على دكة البدلاء أسماء إذا دخلت صنعت الفارق، وإذا شاركت لا تختلف عن الأساسيين.
في بنك احتياط فرنسا أسماء أعلى ممن يلعبون بشكل أساسي مع المرشحين الأبرز للفوز بالمونديال، فهناك ريان شرقي، صانع الألعاب الأمهر والأمتع في العالم، والذي يمكنه اقتحام الأدغال والتحرر من أي قيود تواجهه.
وهناك باركولا، الذي إذا دخل سجل أو صنع وترك بصمة، ومعهما يتواجد أيضًا زائير إيمري، الذي يمتلك طاقة وحيوية شاب جائع ومتعطش للنجاح وكتابة التاريخ، مع قدرات كبيرة في استغلال الحل الفردي.
المنظومة المتكاملة
فرنسا ليس هجومًا مرعبًا فحسب، ولا أسماء إذا ذُكرت أصاب المنافس الهلع بسببها، لكن هناك منظومة تكتيكية متكاملة، تبدأ بدفاع قادر على البناء والخروج بالكرة، والتأثير في مجريات المباريات، خاصة في الكرات الثابتة دفاعيًا وهجوميًا.
وتتميز المنظومة الفرنسية المتكاملة بامتلاك أظهرة يمكنها تقديم الدعم الكافي للتشكيل الهجومي لتمنحه القدرة على الافتكاك بأي دفاع، في ظل وجود ثيو هيرنانديز ولوكاس دين يسارًا، وكوندي يمينًا.
هذه الوفرة تجعل ديديه ديشامب ليس قلقًا حيال أي منافس، فهو المدرب الأكثر تمتعًا بعملية المرونة، والأقدر على اختيار أي رسم خططي يحلو له، فلكل منافس خطة وطريقة تختلف عن الأخرى، ولفرنسا كل الخطط والطرق التي تشاؤها، دون أن تتأثر الجودة أو الفاعلية أو التأثير دفاعًا وهجومًا.
دور مجموعات مرعب، فازت فيه على كل المدارس، السنغال من أفريقيا، والعراق من آسيا، والنرويج من أوروبا، وحصلت على العلامة الكاملة في مونديال المفاجآت، ومع ذلك يمكن للمتابع العادي أن يتأكد بأن الديوك ما زالوا في نزهة، يتدربون، ويستمتعون، ولم يقدموا 50% فقط مما يمتلكون، ومما يستطيعون فعله، فماذا يخبئون للعالم في القادم، وهل هناك من يستطيع إيقافهم وتخليص الجميع من أخطر فريق بالمونديال؟








