جاهزية نفسية.. وإرادة حديدية
كان السلاح النفسي، والثقة، والرغبة، أهمَّ وأجدى من العوامل الفنية في منافسة الليلة، التي انتهت بفوز النرويج على البرازيل بهدفين مقابل هدف، ليعبر إلى دور الثمانية.
لذلك لم ينتظر هالاند، عقب فوز منتخب بلاده على كوت ديفوار في دور الـ32، وأطلق مبكرًا صافرة الصراع النفسي مع المخضرم كارلو أنشيلوتي.
يعرف هالاند جيدًا، كما يعرف أبو المدربين كارلو أنشيلوتي، أن المباراة تبدأ خارج الملعب، في المؤتمرات الصحفية ومن خلال التصريحات، ويعرف كلاهما أن الاستعداد النفسي والإيمان في هذه المواجهات يمثلان أكثر من نصف الطريق إلى الانتصار.
لذلك اشتهر أنشيلوتي تاريخيًا بالذكاء في تخفيف الضغوط على لاعبيه، وتصوير نفسه دائمًا طرفًا أقل في المعادلة أمام أي منافس، مما يسهم في اللعب براحة أكبر وتحقيق الانتصارات.
هذه المرة لم ينتظر هالاند، واستعان بسلاح أنشيلوتي التاريخي، ولم يترك له مجالًا لتضخيم النرويج أو تصويرها طرفًا مرشحًا للانتصار، فخرج في تصريحات عقب مباراة كوت ديفوار، قال فيها: "من الصعب أن نتجاوز البرازيل، هم الطرف الأقوى."
كان تصريحًا ذكيًا، ضمن جزء من استراتيجية آمن بها هالاند، ونقل فكرته وحيلته إلى المجموعة، فبرز التفوق النفسي للنرويج، الذي كان السلاح الحاسم في مباراة الليلة.
عدة مشاهد تشهد على ذلك؛ فبدءًا من ضربة الجزاء، لم يهتز المنتخب النرويجي ولا حارسه.
والأغرب من ذلك أن هالاند كانت لديه الجاهزية لاستقبال هدف، لدرجة أنه لم يهتم بقرار الحكم بعد العودة إلى تقنية الـVAR للتأكد من صحة ركلة جزاء البرازيل من عدمها.
أظهرت الكاميرات حكم المباراة في طريقه إلى الملعب، وقبل أن يعلن قراره، أدار هالاند ظهره إليه وتقدم، في صورة تعكس لامبالاته وعدم تأثره باحتساب ركلة الجزاء، وكأنه يقول: "ستحتسبها.. لكننا سنعود."
البرازيل.. ضريبة إهدار الفرص
خططيًا، كان المنتخب النرويجي الطرف الأكثر استحواذًا وتحكمًا في المباراة، بنسبة قاربت 65%، لكن ذلك جاء بمراد ورغبة أنشيلوتي، الذي لا يمكن تصويره مسؤولًا وحيدًا عن الفشل البرازيلي.
فرغم ترك الكرة، صنعت البرازيل خمس فرص تهديف مؤكدة، وكانت أقرب إلى التسجيل من النرويج، التي استغلت لحظات استثنائية للاعب استثنائي مثل هالاند.
كما تمكن أنشيلوتي من منح فريقه ما يقارب ثلاثة أهداف متوقعة، وبالتحديد 2.73 هدف، مقابل أقل من هدف للنرويج، بلغ 0.84.
كانت البرازيل قريبة للغاية من التسجيل، لولا الرعونة وضعف مهاجميها أمام حارس النرويج، فافتقدت اليوم إلى مهاجم جيد في إنهاء الهجمات، ولعلها دفعت ضريبة غياب جواو بيدرو.
أمر غريب للغاية؛ أنشيلوتي يصنع خمس فرص وثلاثة أهداف متوقعة، لكنه يخسر بهدفين أمام فريق أهدافه المتوقعة أقل من هدف.
انقلب الحال؛ لقد أجاد أنشيلوتي في صناعة التفوق داخل الملعب، لكنه خسر بالطريقة التي أذاق بها الخصوم مرارة الهزائم.
هالاند.. الرجل الذي امتلكه أنشيلوتي قديمًا
مع ريال مدريد، كان يمكن لدفاع أنشيلوتي أن يستمر 80 دقيقة في الخلف، وكان منافسه يستحوذ على أكثر من 70% من الكرة، وهذا ما كان يحدث في المواجهات الكبرى، مثل مباريات مانشستر سيتي.
لكن أنشيلوتي لم يكن بحاجة سوى إلى مرتدتين أو ثلاث، وكان يسجل منها جميعًا، والفارق أنه كان يمتلك رونالدو وكريم بنزيما، أما اليوم فلم يكن محظوظًا بأندريك وكونيا، وشتان الفارق بين ثنائي الميرينجي وهذا الثنائي.
في المقابل، امتلكت النرويج الرجل الخارق، إيرلينج هالاند، ذلك المهاجم القناص الذي يحول أشباه الفرص إلى أهداف في لمحة بصر.
بين مدافعين، قفز إلى السماء عاليًا، وحلّق بعيدًا، ووضع رأسيته كما لو كان يدفعها بيده، لا يمكن صدها أو ردها.
ثم، من زاوية بعيدة وأمام خط دفاع كامل، أطلق مدفعية بقدمه ليسجل هدفًا ثانيًا.
هالاند كان البطل الاستثنائي الذي امتلكه أنشيلوتي، وراهن عليه طوال رحلته في ميلان ومع مدريد، فقامت أفكاره على دفاع منظم، ومساحات قليلة، وفرص محدودة للمنافس، ثم يأتي بطله الخاص لينهي القصة.
لقد قدم الفايكنج النرويجي ليلة تاريخية، انتصر فيها على أنشيلوتي بأفكاره ذاتها، نفسيًا وفنيًا، فمنح بلاده تأهلًا تاريخيًا ومستحقًا.










