بعدما عاش واحدة من أصعب الفترات في مسيرته التدريبية قبل أكثر من عقد، حين وجد نفسه بلا عمل، يبحث عن فرصة جديدة عبر إعلان توظيف منشور في إحدى الصحف.
وكشفت صحيفة "لا جازيتا ديلو سبورت" الإيطالية أن رحلة دي لا فوينتي نحو المجد لم تبدأ داخل ملاعب كأس العالم، بل انطلقت من لحظة قاسية في أكتوبر 2011، عندما أقاله نادي ألافيس بعد 11 مباراة فقط، ليجد نفسه بعيدًا عن التدريب لمدة عام ونصف، دون أن يتلقى أي عرض للعمل.
ويتذكر المدرب الإسباني تلك الأيام الصعبة في سيرته الذاتية، قائلًا: "كنت أقول لنفسي إن أحدًا سيتصل بي الشهر المقبل، لكن مر شهر ولم يتصل أحد." كلمات تختصر حجم المعاناة التي عاشها رجل لم يكن يعلم أن المستقبل يخبئ له أعظم إنجاز في تاريخ مسيرته.
وخلال فترة البطالة، لم يستسلم دي لا فوينتي لليأس، بل قرر استغلال الوقت في تطوير نفسه، فكان يتوجه بشكل شبه يومي إلى مركز تدريبات أتلتيك بلباو لمتابعة الوحدات التدريبية التي كان يقودها المدرب الأرجنتيني مارسيلو بيلسا.
وقال دي لا فوينتي عن تلك التجربة: "احتفظت بتسجيلات لخمسة أشهر كاملة من تدريبات بيلسا، تعلمت منه الكثير، فقد جعل أتلتيك بلباو يقدم كرة قدم رائعة، وأنا معجب جدًا بأفكاره."
لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت في مايو 2013، عندما نشر الاتحاد الإسباني لكرة القدم إعلانًا للبحث عن مدرب لمنتخب الشباب، فتقدم دي لا فوينتي للوظيفة، ليبدأ من هناك رحلة استثنائية داخل الاتحاد الإسباني.
قاد منتخب إسبانيا تحت 19 عامًا للتتويج ببطولة أوروبا عام 2015، ثم أحرز ذهبية ألعاب البحر المتوسط عام 2018، قبل أن يقود منتخب تحت 21 عامًا للفوز ببطولة أوروبا في 2019، كما حصد الميدالية الفضية في أولمبياد طوكيو 2021، بعدما خسر النهائي أمام البرازيل.
ولم تكن تلك البطولات مجرد ألقاب، بل كانت مشروعًا لبناء جيل جديد من النجوم، إذ أشرف دي لا فوينتي على تطوير عدد كبير من اللاعبين الذين أصبحوا اليوم أعمدة المنتخب الإسباني الأول، مثل بيدري، وداني أولمو، وأوناي سيمون، ومارك كوكوريلا، وميكيل ميرينو، ومارتن زوبيميندي، وميكيل أويارزابال، وهم اللاعبون الذين قادوا "لا روخا" إلى نهائي كأس العالم 2026.
وتؤكد الصحيفة الإيطالية أن المدرب البالغ من العمر 65 عامًا لم يصل إلى القمة بالصدفة، بل بفضل الصبر والعمل والإيمان، إذ ظل متمسكًا بقناعاته رغم الظروف الصعبة التي مر بها.
وقبل مواجهة فرنسا في نصف النهائي، تحدث دي لا فوينتي عن إيمانه قائلًا: "أدعو الله كل يوم، وأشكره على كل ما منحني إياه." كما لم يتمالك دموعه عندما سُئل عن والديه وشقيقه الراحل، مؤكدًا أنه يفكر فيهم كل يوم ويتمنى لو كانوا بجانبه ليعيشوا هذه اللحظات التاريخية.
واليوم، وبعد سنوات من الانتظار والبحث عن فرصة عبر إعلان في صحيفة، يقف لويس دي لا فوينتي على أعتاب كتابة اسمه بأحرف من ذهب، بعدما قاد إسبانيا إلى نهائي كأس العالم للمرة الثانية في تاريخها، ليقدم واحدة من أكثر قصص النجاح إلهامًا في عالم كرة القدم، ويثبت أن الإصرار والعمل الجاد قادران على تحويل أصعب البدايات إلى أعظم النهايات.







