بأهداف مغايرة تمامًا عن جميع مشاركاته السابقة في المونديال، يخوض أسود الأطلس هذه النسخة تحديدًا، بعد إنجاز استثنائي وتاريخي في مونديال قطر 2022، الذي أنهاه الأسود في المركز الرابع.
لم يعد التمثيل المشرف أو مجرد العبور إلى الدور الثاني هدفًا لفريق أبهر العالم بعروضه، ونجح في تحطيم كبار وعمالقة أوروبا، والإطاحة بأساطير خضعت ولا تزال تخضع لهم اللعبة بكل أرقامها وتفاصيلها، مثل كريستيانو رونالدو، الذي أبكته رأسية النصيري، وأزاحت منتخبَه البرتغال من طريق ميسي نحو أهم ألقابه وأكثر ما زيّن به مسيرته على حساب الدون.
لم يكن الدون وحده الضحية الكبيرة للأسود، بل التهم وليد الركراكي ورجاله آنذاك حكيم العصر ورجل الخط الأبرز في ملاعب أوروبا، لويس إنريكي، الذي أنهى المغاربة قصته مع إسبانيا بعد الإطاحة بالماتادور، ليبدأ فصلًا جديدًا من النجاحات مع باريس سان جيرمان.
قلق البرازيل بدأ مبكرًا
إن ما قدمه المغرب في مونديال الدوحة غيّر نظرة العالم إليه، وانتقل به من كونه فريقًا متوسطًا يبحث عن أداء متوازن أمام الكبار، إلى عملاق يخشاه أعتى وأقوى المنافسين.
بعد لقاء مصر والبرازيل الأخير، صرّح كارلو أنشيلوتي بأن المنتخب المصري كان قويًا للغاية في المباراة التي انتهت بفوز صعب بهدفين مقابل هدف واحد، لكنه لم يُخفِ قلقه من المغرب، الذي اختار له مصر بروفة أقل صعوبة، قائلًا: "المغرب أيضًا سيكون فريقًا قويًا وصعبًا للغاية".
كانت الحدة التي ظهر عليها المنتخب البرازيلي أمام نظيره المصري مثيرة للتعجب، فالمعتاد أن منتخبات أفريقيا وآسيا هي التي تتعامل بحمية وحماسة، وأحيانًا تستخدم العنف المبالغ فيه حينما تصطدم بكبار العالم.
لكن لأن التشكيلة البرازيلية كانت تتعامل مع المباراة بوصفها نسخة مقاربة لمواجهة ستكون الحماسة والقوة البدنية أبرز معالمها أمام المغرب، بدت الوجوه البرازيلية مشدودة، وكان تخوفها مما ينتظرها أمام المغرب واضحًا.
ترشيح ديشامب وحديث بيليرين
ليست البرازيل وحدها من تتخوف من المغرب وتصنفه بين الكبار، وتراه ندًا يجب أن يخشاه الجميع ويهابوه، وألا يتصوروا أنفسهم منتصرين قبل أن يقاتلوا ويضاعفوا جهودهم خلال المباراة.
جاء تصريح مدرب فرنسا ديدييه ديشامب ليؤكد أن المنتخب المغربي يقع ضمن ثمانية منتخبات يراها جميعًا مؤهلة للفوز بكأس العالم 2026، وهي شهادة من المدرب الذي يقود إحدى أقوى قوائم اللاعبين في العالم، والمنتخب الذي ظل في هذه النسخة على رأس المرشحين للتتويج باللقب.
وفي إسبانيا، صرّح نجم برشلونة وآرسنال السابق، وريال بيتيس الحالي، هيكتور بيليرين، بأن المغرب لن يودع المونديال، وسيبلغ نهائي البطولة.
ويرى بيليرين أن المغرب فريق متكامل وقوي للغاية، وسيواصل حكايته الرائعة في كأس العالم بمواجهة منتخب بلاده إسبانيا في النهائي، ورشّح الماتادور للثأر من هزيمته في مونديال 2022 والفوز باللقب.
الإيمان أساس اللعبة.. والغرور أكبر خطر
كانت حالة الإيمان الشديدة بمنتخب المغرب قائمة على إيمان المنظومة المغربية نفسها بقدراتها، وإمكانيتها في تحقيق ما يراه الجميع مستحيلًا.
"طوال عمرنا نحلم، لكن آن الأوان لنفعل"، لا يمكن لمتابع للكرة العربية والعالمية أن ينسى هذا التصريح الذي لخّص به وليد الركراكي، المدير الفني السابق لمنتخب المغرب، سر العقلية والتحول الكبير الذي جرى في المشروع المغربي.
عليك أن تؤمن أولًا بقوتك حتى يراك الآخرون قويًا، وهذا ما جرى تحديدًا أمام عملاق عالمي جديد فرض نفسه على الساحة.
لكن في المقابل، يواجه المنتخب المغربي خطر الغرور والتعالي، الذي يصيب العديد من المشاريع بعد صعودها المفاجئ.
ولخّص النجم الإنجليزي جود بيلينغهام أزمة منتخب بلاده في يورو 2024 بأن سقف التوقعات المرتفع، وحجم الضغوط الناتجة عن ذلك، كانا من أسباب الخسارة، ودائمًا ما يلعب هذا العامل دورًا محوريًا في السقوط وخيبة الأمل.
أنشيلوتي وفيني.. احذر يا وهبي
درس مهم يجب أن يستوعبه محمد وهبي، المدير الفني للأسود، ومجموعة المقاتلين معه؛ فما مضى يجب أن يكون دافعًا ومحفزًا، مع أهمية الحذر من عمليات التضخيم التي قد توحي للأسود بأنهم منتصرون قبل أن يلعبوا.
حينما يدخل المغرب مواجهة البرازيل بنجومها وأسمائها الكبيرة، فعليه أن يكون في أقصى درجات الاحترام التي يمكن أن يقدمها لخصم، فالبرازيل ستظل الاسم الأكثر شراسة في عالم كرة القدم، ومع مدرب حكيم ومخضرم مثل كارلو أنشيلوتي، يجب أن يكون الحذر مضاعفًا، مرتين وثلاثًا وأربعًا.
كذلك فإن مواجهة مهاجم بحجم فينيسيوس جونيور تتطلب اليقظة في كل لحظة، وجهدًا بدنيًا مضاعفًا، وتكتيكًا محكمًا لا يترك له أي مساحة، فأنت أمام نموذج لا يحتاج إلى عمل جماعي كبير كي يسرق منك المباراة في لحظة ويمنح فريقه الانتصار، وهذا ما فعله أنشيلوتي تحديدًا رفقة فيني مع ريال مدريد.
قد يترك لك السيطرة طويلًا، ويوهمك بأنك الطرف الأفضل، ومع كل دقيقة تشعر باقترابك من الهدف والانتصار، ثم يوقظك على كابوس يهدم المعبد فوق رأسك.
نَفَس جديد.. وروح ممتدة
أضاف وجود محمد وهبي مع المنتخب المغربي نَفَسًا جديدًا داخل غرفة اللاعبين، وحوافز أخرى لمدرب جائع إلى إنجاز كبير على المستوى الأول، يؤكد به نجاحه التاريخي في التتويج بمونديال الشباب.
وأظهر المغرب تحت قيادته امتلاكه روحًا قتالية وحماسة شديدة، فضلًا عن الانضباط الخططي، وتنوع طرق الوصول إلى المرمى والتسجيل، مع تصعيد أسماء جديدة من المتوقع أن تكتب بداية ملحمية وتسطر تاريخًا ساطعًا للأسود ولكل العرب في البطولة الحالية.
عثمان معما وياسر زبيري اسمان يترقبهما بشغف كبير جميع المغاربة، بعدما برزا وتألقا في مونديال الناشئين، وقدّما تجربة مغربية ثرية ومبشرة بميلاد أساطير جدد.
ربما كانت إصابة الزلزولي ونايف أكرد أسوأ ما جرى للمنتخب المغربي، لكن البدائل تبقى حاضرة، وتبقى مثل هذه المناسبات فرصًا عظيمة لكتابة قصص جديدة تعرف طريقها إلى المجد بلا عودة.
ويحتفظ المنتخب المغربي بأسلوبه الفريد في خطة 4-3-3، وإن كان يجيد ويبدع في اللعب بأكثر من طريقة، ويمتلك أعمدته الثابتة التي لا تتزحزح، مثل أشرف حكيمي، ونصير مزراوي، وعز الدين أوناحي، وإبراهيم دياز، وإسماعيل صيباري، فضلًا عن أسماء أكثر تعطشًا لترك بصمة كبيرة، مثل نائل العيناوي، وأيوب بوعدي، وعثمان معما، وياسر زبيري.
بداية قوية وانتصار تاريخي يأمل فيه المغاربة وكل العرب، وعرض كروي ساحر يتمناه مليارات من محبي اللعبة حول العالم، وثلاث نقاط سيقاتل عليها كل مدرب وكل فريق، من أجل توجيه رسالة مبكرة إلى جميع المنافسين: "نحن هنا.. قادمون للتتويج".












