ودّع المنتخب المغربي كأس العالم بعد خسارته أمام المنتخب الفرنسي بهدفين دون رد، في مباراة كانت سيئة للغاية في كل شيء من الجانب المغربي.
خوف مبالغ فيه
لعب المنتخب المغربي أسوأ مباراة له على الإطلاق منذ تولي محمد وهبي مسؤولية قيادة الأسود، فلم يكن الأمر قوة وتوحش المنتخب الفرنسي بقدر ما كانت الشخصية المغربية التي اعتدنا عليها غائبة تمامًا.
لم يكن لوهبي شكل خططي مفهوم، فلا هو الذي دافع بقوة وأغلق المساحات كما فعل منتخب باراغواي حين واجه فرنسا، ولا هو الذي تقدم وهاجم وحاول اقتحام مناطق المنافس، ولم يمنحه التوازن الذي بحث عنه أمانًا في الثلث الأخير، ولا الفرصة أو الهدية أو الخطأ الذي انتظره.
كانت أول تسديدة للمغرب في المباراة عند الدقيقة 83، حين حضر عز الدين أوناحي بتسديدة في وسط المرمى من مسافة بعيدة للغاية، لتكشف عجز الأسود عن خلق أي متنفس أو فرصة أو طريق إلى حارس مرمى المنتخب الفرنسي، مايك ماينان.
حكيمي إلى الوراء
بخلاف كل مباريات المنتخب المغربي منذ انطلاق البطولة، شاهدنا تراجعًا غير مسبوق لنجم الفريق أشرف حكيمي، الذي كان دائمًا مصدر الخطورة الأكبر، وبفضله عرف وهبي كيف يجد أكثر من حل وطريقة لخلق الفرص.
حرص وهبي جعل تحرك وتقدم حكيمي بحذر، فالظهير الذي كان يتحول إلى مهاجم في عمق الملعب، ويصل إلى مناطق دفاع المنافس، وينفرد بالمرمى الهولندي ثلاث مرات، ويسدد في العارضة، لم يدخل مناطق المنافس اليوم، ولم يقم بأي أدوار في الثلث الأخير، واقتصر دوره على الدفاع وإغلاق المساحات.
ووقت استحواذ المغرب على الكرة، والذي لم يكن قليلًا، حيث وصل إلى 50% في أوقات كثيرة، وخرج إجمالًا بنسبة 52%، لكنه كان سلبيًا في كل شيء، فلم يتقدم حكيمي لشغل أدوار الجناح، ولم يقتحم العمق كمهاجم إضافي كما فعل ضد البرازيل وهولندا وهايتي.
غياب صيباري.. صفر فرصة
تخلي حكيمي عن الأدوار الاعتيادية التي كان يمارسها في المباريات السابقة، إلى جانب غياب المهاجم الأخطر إسماعيل صيباري، جعلنا نخرج بأسوأ نتيجة يمكن أن نراها لمنتخب الأسود طوال مشاركتيه في كأس العالم، نسخة 2026 ونسخة الدوحة 2022: صفر فرصة.
نعم.. لم يشكل المنتخب المغربي أي خطر على مرمى المنافس، ولم يصنع أي فرصة تهديف، فغياب أدوار حكيمي الهجومية، وعدم مشاركة صيباري، الذي كان اللاعب القادر على اقتحام المناطق وطلب الكرة خلف الدفاعات، محا أي وجود للمغرب، ومنعها من صناعة أي فرصة.
كما أخطأ وهبي بتوظيف بلال الخنوس مهاجمًا، والدفع بشمس الدين طالبي في مركز الجناح الأيسر، فخسر كلا المركزين.. كيف؟
الخنوس لاعب مهاري يفك التكتلات، ويقدم حلًا فرديًا، بينما أمام فرنسا كنت بحاجة إلى لاعب قوي وسريع، يطلب الكرة خلف الدفاعات ويفوز بالالتحامات الثنائية كما كان يفعل صيباري.
ربما لا يملك وهبي لاعبًا بنفس مواصفات صيباري، نعم.
وربما لا يوجد من يعوضه داخل المغرب، فهو لاعب استثنائي، وقدراته تفوق الجميع.. نعم.
لكن الاختيار الأنسب كان سفيان رحيمي، لأنه يمتلك ذكاءً أكبر في التحرك بالعمق، وأجاد في الدقائق التي حصل عليها طوال المونديال، وسجل هدفين.
سفيان أسرع وأخف، وأقدر على اللعب بين قلبي دفاع فرنسا، فكان يمكن لوهبي أن يعتمد عليه في طلب التمريرات خلف المدافعين ووراء الأظهرة المتقدمة، وكان بمقدوره صناعة خطر أكبر على دفاع فرنسا، ومع وجود الخنوس في مركزه الطبيعي، كنا نستطيع أن نرى أداءً أفضل له.
العيناوي وبوعدي.. لا دعم هجومي
كما عانى المنتخب المغربي من التعليمات التي صدرت عن وهبي لكل من أيوب بوعدي ونائل العيناوي، فكلاهما لعب فقط ليكون مدافعًا، وكانت مهمة كل منهما تغطية المساحات العرضية ومطاردة المنافس.
لم يسعَ أي منهما للميل إلى أحد الأطراف والتقدم إلا في مرات نادرة فعلها بوعدي في الجهة اليمنى، ولم يسعَ أي منهما للتحول إلى العمق والتقدم، ولم نرَ أي محاولة للتسديد أو التقدم.
جاهزية الديوك.. بداية مرعبة
في مقابل التراجع المغربي، لم يمنح الديوك أي مجال لدخول أسود الأطلس في أجواء المباراة، فلعبوا بجدية كبيرة منذ البداية، وخلال أول 20 دقيقة فقط، سددوا 4 مرات على المرمى دون استقبال أي تسديدة، وصنعوا فرصة تهديف مؤكدة، ولمسوا الكرة 10 مرات في منطقة المغرب، بينما لم تلمس المغرب الكرة في منطقة فرنسا.
كانت الرسالة الواضحة للديوك في أول 20 دقيقة: "لا تحاولوا.. هذه ليلتنا". وكما قالها ريان شرقي قبل انطلاق البطولة: "نحن قادمون لاكتساح المنافسين، لا لمجرد الفوز بالبطولة"، فقد حقق الفريق هذه المقولة على أرض الميدان منذ بداية المباراة.
استمر الطوفان الفرنسي، ليقدم الديوك أرقامًا مرعبة في الشوط الأول، ويكفي أن نختصر كل شيء في رقم واحد: سددت فرنسا 13 مرة، مقابل تسديدة وحيدة للمغرب في الشوط الأول كانت خارج المرمى، وتشير الأرقام في الشوط نفسه إلى أن الأهداف المتوقعة لفرنسا تقارب هدفين، بينما لم تكن هناك أي فرصة تسجيل للمغرب.
اعتمد ديشامب على القدرات الفردية الخارقة للاعبيه، ديمبيلي ودوي ومبابي وأوليسي، فكل منهم حين ينطلق كالسهم يصنع الأزمة والخطر، وبالفعل تمكنوا بفضل قدراتهم الفردية الكبيرة من تجاوز دفاع المغرب وصناعة عدد كبير من الفرص، وأهدروا ركلة جزاء، وانفرادات بالجملة، غير التصديات البارعة لياسين بونو، الذي لولاه لخرج المغرب بخسارة كبيرة.
مبابي.. هزيمة نفسية لمزراوي
أضاع مبابي ركلة الجزاء التي احتُسبت، لكنه لم يفقد اتزانه أبدًا، بل ظل مصدر الخطورة في العمق، الذي أرعب ديوب ونصير مزراوي.
أمام هولندا لعب مزراوي بروح مقاتل لا يهاب الموت، وكان يضع قدميه مع روحه وجسده في طريق أي محاولة هولندية، بينما اختلف الأمر أمام مبابي.
شعر مزراوي بأن الطوفان هذه الليلة أقوى من أي يوم مضى، وعلى ما يبدو، فإن الجاهزية النفسية لم تكن في أفضل حال.
ارتكب ركلة الجزاء أمامه، ثم تفوق مبابي في الثنائيات، واستخدم ذكاءه الحاد في التمركز والتواجد في مناطق خطرة، فانفرد مرة واثنتين، وأضاع الفرصة.
تقدم أوليسي ودوي في العمق إلى جوار مبابي، ما جعل الغلبة لهما أمام قلبي الدفاع، وبتمريرات قصيرة عرفوا أخيرًا كيف يجدون المفتاح والفرصة السانحة للتسجيل.
ظل كيليان واثقًا وخطيرًا، وفعل كل شيء أمام دفاع المغرب، وكان مفتاح الفوز، ليواصل مطاردته لميسي على لقب الأفضل والهداف في البطولة، في صراع يبدو أن النجم الفرنسي مصر على حسمه لصالحه هذه المرة.
وبعد الهدفين، كان مصير محاولات محمد وهبي للعودة الفشل، فالتفوق الفرنسي كان كاسحًا، وشخصية الديوك فرضت نفسها في كل شبر من الملعب، وكانت الحالة البدنية والذهنية أفضل عند مبابي ورفاقه، فلم تفلح أي تبديلات في تغيير أي شيء.











